مقالات

الاقتصاد الإيراني أمام اختبار الخنق الاقتصادي.. لماذا تصمد طهران رغم العقوبات والحرب؟

رغم خسائر بمئات المليارات وانهيار قياسي للريال وتضخم يقترب من 90%، تراهن إيران على الصين وروسيا ودول الجوار لكسر فعالية العقوبات الأمريكية وتجنب الانهيار الاقتصادي الشامل.

تدخل إيران مرحلة اقتصادية شديدة التعقيد، بعدما تداخلت تداعيات الحرب مع أزمة اقتصادية كانت قائمة أصلًا، لتضع البلاد أمام ضغوط غير مسبوقة على العملة والأسواق والطاقة والتجارة الخارجية.

فقد كان الاقتصاد الإيراني يعاني قبل الحرب من ضعف النمو، والتضخم المرتفع، وتراجع قيمة الريال، وانعكاس ذلك على القدرة الشرائية ومستوى معيشة الإيرانيين. ثم جاءت الضربات الأمريكية والإسرائيلية والقيود المفروضة على الموانئ لتضيف طبقة جديدة من الضغوط على اقتصاد يعاني أصلًا من العقوبات.

لكن المفارقة الاقتصادية الأبرز تتمثل في أن كل هذه الضغوط لم تدفع إيران حتى الآن إلى الانهيار الكامل. فطهران تعتمد على شبكة من البدائل التجارية والمالية، وعلى علاقاتها مع الصين وروسيا ودول الجوار، في محاولة لإبقاء عجلة الاقتصاد دائرة رغم ارتفاع الكلفة.

270 مليار دولار.. فاتورة الحرب تضغط على الاقتصاد الإيراني

تظهر حجم الصدمة الاقتصادية في الخسائر التي لحقت بالمنشآت الحيوية. فوفق البيانات التي نقلتها بلومبيرغ عن الحكومة الإيرانية، بلغت خسائر الضربات الأمريكية والإسرائيلية نحو 270 مليار دولار حتى أبريل الماضي، بعدما استهدفت منشآت مرتبطة بالطاقة والصناعة والبنية الأساسية.

ولم تتوقف التداعيات عند الأضرار المباشرة، إذ أدى تراجع قدرة إيران على تصدير النفط إلى تفاقم أزمة العملة الأجنبية. وفي منتصف أغسطس، كان نحو 41 مليون برميل من الخام الإيراني عالقًا على متن ناقلات في الخليج، وفق بيانات شركة «كبلر».

وهنا تظهر إحدى أكثر حلقات الأزمة حساسية: النفط يوفر العملة الصعبة، وتراجع صادراته يعني ضغطًا إضافيًا على الريال والأسواق المحلية.

الريال ينهار والتضخم يلتهم القدرة الشرائية

انعكس نقص تدفق الدولار على سعر العملة الإيرانية، التي وصلت في السوق غير الرسمية إلى نحو 2.2 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، وهو مستوى يعكس عمق الأزمة النقدية التي تواجهها طهران.

وفي الوقت نفسه، قفز معدل التضخم السنوي إلى 87.9%، ما جعل تأمين الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر، ودفع بعضها إلى الاقتراض لتغطية النفقات اليومية.

وتكشف هذه الأرقام أن المعركة الاقتصادية لا تدور فقط حول قدرة الدولة على تمويل وارداتها أو المحافظة على صادراتها، بل تمتد مباشرة إلى مستوى معيشة المواطن الإيراني.

أزمة الطاقة تضيف ضغطًا جديدًا

وتواجه إيران كذلك ضغوطًا في قطاع الوقود، إذ أظهرت تقارير عن وجود طوابير طويلة أمام محطات الوقود في طهران، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات.

وفي يوليو، توقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% على الأقل خلال العام الجاري، وهي نسبة تعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الإيراني نحو 363 مليار دولار في 2025 وفق بيانات البنك الدولي.

الصين.. الرئة الاقتصادية التي تمنح طهران مساحة للمناورة

في قلب استراتيجية الصمود الإيرانية تبرز الصين باعتبارها الشريك التجاري الأهم.

فبكين تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، ما يجعل السوق الصينية منفذًا رئيسيًا للصادرات الإيرانية في ظل القيود الغربية. كما تُستخدم قنوات مالية وتجارية معقدة لتسهيل حصول الشركات الإيرانية على السلع والمنتجات الصينية.

وتكمن أهمية هذا الدور في أنه يحد من قدرة العقوبات على إغلاق جميع المنافذ أمام الاقتصاد الإيراني.

فكلما تمكنت طهران من بيع جزء من نفطها، والحصول على عائداته، واستيراد احتياجاتها من الخارج، بقي اقتصادها قادرًا على العمل، حتى وإن كان ذلك في ظروف أكثر كلفة وتعقيدًا.

«اقتصاد المقاومة».. استراتيجية للبقاء لا للنمو

لم تنتظر طهران انهيار طرق التجارة التقليدية، بل عملت على توسيع البدائل.

وتستخدم إيران طرقًا برية وخطوط سكك حديدية تربطها بباكستان وأفغانستان والصين، إلى جانب الموانئ الواقعة على بحر قزوين، بهدف تعزيز تجارتها مع روسيا وتقليل اعتمادها على المسارات البحرية الخاضعة للضغط.

وتندرج هذه التحركات ضمن استراتيجية «اقتصاد المقاومة»، التي تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع العلاقات مع دول الجوار، وتقليل الاعتماد على الغرب.

اقتصاديًا، لا تعني هذه السياسة أن إيران قادرة على تجاوز الأزمة بلا خسائر، وإنما تمنحها وقتًا ومساحة للمناورة وتقلل من احتمالات تحول العقوبات إلى حصار اقتصادي كامل.

منظمة شنغهاي توسّع هامش المناورة

وتحصل إيران على دعم يتجاوز الصين، إذ أظهرت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك استمرار رغبة عدد من الدول في الحفاظ على العلاقات التجارية والاقتصادية مع طهران رغم الضغوط الأمريكية.

وقد تلقت طهران إشارات داعمة من قادة دول عدة، من بينها الهند وباكستان وأذربيجان وقرغيزستان، مع تأكيد أهمية تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية مع إيران.

كما أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب «لا رجعة فيه»، في موقف يعكس التحولات الأوسع في النظام الاقتصادي والسياسي الدولي.

هل تستطيع واشنطن إسقاط الاقتصاد الإيراني؟

المعضلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن العقوبات تستطيع رفع تكلفة الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تضمن بالضرورة انهياره.

إيران تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، كما أن اتساع حدودها وتعدد شركائها التجاريين يوفران لها قنوات بديلة للاستيراد والتصدير. ويشير تحليل الخبراء الوارد في المصدر إلى أن الوصول إلى انهيار اقتصادي كامل يظل أمرًا بالغ الصعوبة.

لكن هذا الصمود له ثمن مرتفع.

فحتى إذا تمكنت الحكومة الإيرانية من إبقاء التجارة الخارجية مستمرة، فإن التضخم وانخفاض قيمة العملة ونقص بعض السلع والطاقة تعني أن الكلفة تنتقل بدرجة كبيرة إلى المواطن والاقتصاد المحلي.

المعركة الحقيقية.. من يملك قدرة التحمل؟

المشهد الاقتصادي الإيراني لا يبدو إذن معركة بين «انهيار» و«انتصار»، بل اختبارًا طويلًا لقدرة كل طرف على تحمل الكلفة.

واشنطن تراهن على أن تشديد العقوبات والضغط على صادرات النفط سيجبران طهران على تقديم تنازلات.

أما إيران، فتراهن على أن الصين وروسيا ودول الجوار، إلى جانب شبكات التجارة البديلة، ستمنحها القدرة على تجاوز الضغوط إلى أن تتغير الظروف السياسية والعسكرية.

وبين الرهانين، يدفع الاقتصاد الإيراني ثمن المواجهة: خسائر ضخمة، عملة متراجعة، تضخم قياسي وانكماش اقتصادي متوقع.

تملك العقوبات الأمريكية قدرة كبيرة على إضعاف الاقتصاد الإيراني واستنزافه، لكنها تواجه حدودًا واضحة عندما تصطدم بشبكة العلاقات التجارية التي بنتها طهران مع الصين وروسيا ودول الجوار.

ولهذا، فإن السؤال الاقتصادي الأهم لم يعد: هل تستطيع العقوبات إيذاء إيران؟ فهذا تحقق بالفعل.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع واشنطن تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى انهيار يجبر طهران على تغيير حساباتها؟

حتى الآن، تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن إيران تدفع ثمنًا اقتصاديًا باهظًا، لكنها لا تزال تملك أدوات تسمح لها بمواصلة الصمود.

مقالات ذات صلة