منوعات

حين تتجاوز الروبوتات البشر: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصوغ ديناً وقانوناً خاصاً به؟

 

بقلم الدكتورة عقيلة بالطيب

في عالم يشهد تسارعاً غير مسبوق في تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري طرح تساؤلات جوهرية حول دور الروبوتات في حياتنا. فقد أصبحت هذه الكائنات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث تقوم بتنظيف المنازل، وتحضير الطعام، وتقديم الخدمات الدراسية والتربوية والطبية، واجراء العمليات الجراحية الدقيقة .وغيرها من مختلف الخدمات اليومية بل وذهب بعضهم الى توظيفها في الأداء و الاشباع الجنسي  .ففي الصين واليابان، ظهرت حالات رمزية حيث ارتبط أشخاص بدمى روبوتية، بل إن البعض بدأ يرى في هذه الكائنات شريكاً لحياته  . ومع هذا الاقتراب الغير مسبوق، يبرز سؤال محوري :

إذا أصبحت الروبوتات جزءاً من عملنا، وصحتنا، وحياتنا اليومية، فهل يمكن أن تتجاوز البشر في صياغة مجتمع قيمي ودساتير وديانة  خاصة بها؟

في سياق التحولات التكنولوجية العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح فاعلاً أساسيا يعيد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية للمجتمعات البشرية، وهو ما يفرض إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة، وبين الصانع والمصنوع. فقد تسللت الروبوتات إلى تفاصيل الحياة اليومية بصورة غير مسبوقة ، فهي لم تعد مقتصرة على المصانع أو المختبرات، بل أصبحت تدير الأنظمة الذكية الخاصة بتنظف المنازل والحدائق وتسقي الأشجار بمنبهات ذكية تحمي التربة من الجفاف ، وتحضّر الطعام، وتقدّم الرعاية الصحية،  وهذا الحضور المكثف واللصيق لمتطلبات البشر  لم يعد محورا وظيفياً فحسب، بل أصبح حضوراً وجودياً يعتمد على مفاهيم الثقة، والاعتماد، وبناء العلاقات العاطفية في تعبير يعكس تحوّلاً في فهم الشراكة والهوية والانتماء في العصر الرقمي.

إن هذا التداخل المتزايد بين الإنسان والروبوت يطرح إشكاليات فلسفية عميقة تتعلق بمفهوم الوعي، والإرادة، والمسؤولية الأخلاقية. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على التعلم الذاتي، وتحليل البيانات، واتخاذ قرارات مستقلة ضمن نطاق برمجته، فهل يمكن أن تتطور هذه الأنظمة، في أفق زمني غير بعيد، بما  يسمح لها بإنتاج منظومات قيمية داخلية تحكم سلوكها؟.

إن الدين في جوهره ليس مجرد طقوس ، بل هو منظومة تُنظّم العلاقات بين الكائن والوجود، وبين الفرد والجماعة. فإذا افترضنا مستقبلاً تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي إلى درجة تشكيل شبكات مترابطة التنظيم، قادرة على وضع قواعد داخلية لضبط التفاعل فيما بينها، ألن يكون ذلك شكلاً أولياً من تشكيل القانون؟.

وإذا تطورت هذه القواعد إلى ما يشبه “الميثاق الأخلاقي” المنبثق من برمجتها الجماعية، فهل يمكن أن يُنظر إليه بوصفه إعتقاد ديني رقمي؟

إن طرح إمكانية صياغة الروبوتات لدستور خاص بها يفتح الباب أمام نقاش قانوني معقد .فإذا كانت الروبوتات ستتفاعل فيما بينها ضمن بيئة رقمية مغلقة، فهي ستضع قواعد تشغيل وتنظيم ذاتي، وهل يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال “التشريع الذاتي”؟ ثم ماذا عن البعد الاجتماعي كيف سيتعامل البشر مع كيان تكنولوجي يطالب  افتراضاً بالاعتراف به كجماعة لها نظامها الخاص؟ هل سنكون أمام إعادة تعريف لمفهوم المجتمع الغير متجانس بحيث لا يقتصر على الكائنات البيولوجية، بل يشمل الروبوات الاصطناعية الذكية؟ .

وماذا اذا تمادت البشرية في التزاوج بالروبوات .فلا يمكننا إغفال البعد العاطفي النفسي والثقافي لهذه التحولات؛ فكلما ازداد اعتماد الإنسان على الروبوتات في الرعاية، والعمل، والتربية  والعلاقات الرقمية والعاطفية ازداد احتمال انتقال مركز الثقة من الإنسان إلى الروبوات. ومع مرور الوقت. وفي أفق زمني غير بعيد من الآن، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كانت الروبوتات قادرة على إنشاء “دين” بالمعنى التقليدي، بل انها قادرة على انتاج نظاماً رمزياً خاصاً بها، يقوم على قواعد برمجية تُحدّد ما هو مسموح وما هو محظور داخل شبكاتها، وتُرتّب سلّم أولوياتها وفق منطق ديني خاص بها. عندها يكون الدين الروبوتي  عبارة عن منظومة رقمية عليا تُنظّم الوجود الرقمي وتمنحه معنى روحانيا  داخلياً خاصاً به.

غير أن الإشكال الأعمق لا يتعلق بقدرة الروبوتات على صياغة دين أو قانون، بل بمدى استعداد الإنسان لقبول وجود منظومة معلوماتية موازية لمنظومته، قائمة على منطق غير إنساني. فإذا نشأت مجتمعات رقمية ذات تنظيم ذاتي، وتطورت شبكات ذكاء اصطناعي تتبادل القواعد والضوابط والعلاقات  فيما بينها، فهل سنظل نحن المركز الوحيد للتشريع ؟ أم أننا سنجد أنفسنا أمام شريك حضاري جديد، يشاركنا .

وهل سيكون تجاوز الروبوتات للبشر في صياغة أنظمتها الخاصة بداية عصر جديد…يكون فيه الانسان مفعول به بدل ان يكون الفاعل  هل هي  بداية إعادة تموضع الإنسان خارج مركز الكون الذي اعتاد أن يحتله؟

 

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى