الرئيسية

الهجرة غير الشرعية في زمن الكورونا

كلنا يد واحدة للقضاء على وباء الكورونا

استغلت شبكات الجريمة المنظمة عبر الوطنية و عصابات التهريب و مافيا الهجرة السرية جائحة كورونا، و انصراف مجهودات الدولة الكلية لمجابهتها، لتنظيم عمليات هجرة سرية الى اوروبا و خاصة ايطاليا، عن طريق البحر، بطريقة غير شرعية، بالرغم مما تشهده تلك الدول من نسق مخيف في عدد الاصابات و الوفايات بفيروس كورونا، و من ركود اقتصادي، و غلق للمصانع، وتسريح الآلاف من العمال، و ما قد ينتج عن تلك العمليات من موتى ناتجة عن غرق قوارب الموت. والهجرة ظاهر اجتماعية عرفها الإنسان منذ القدم. وهي بمفهومها العام لا ترتبط بتنقل الأفراد و الجماعات بل ترتبط أيضا بالحيوان و الطيور. و تعني الهجرة لغويا الترك و الإنتقال، و اصطلاحا ترك الموطن الأصلي إلى غيره من المواطن. والهجرة في علم الاجتماع هي حركة داخل الجغرافيا أي من مكان تقلّ فيه أسباب الشدّ والجذب إلى مكان يوفّر عوامل العيش والأمن. والهجرة في المدلول القانوني هي مغادرة حدود دولة والدخول في حدود دولة أخرى. والهجرة في المفهوم الشرعي لا تبعد عن ذلك فهي الإنتقال من مكان إلى مكان ومثال ذلك هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة – هجرة الرسول وأصحابه إلى المدينة المنوّرة.

والهجرة إمّا أن تكون : – هجرة قانونية : أي أن عملية الخروج من دولة والدخول في تراب دولة أخرى تتمّ بشكل قانوني أي من المعابر المخصّصة لذلك مع إتمام المقتضيات الإدارية الأخرى مثل الحصول على تأشيرة دخول وترخيص بالإقامة وعقد عمل وغيرها من الشروط الأخرى التي تحدّدها التشريعات المعنية. – أو هجرة سرّية: و هي تلك الهجرة التي تقع خارج القانون ورغما عن إرادة دولة الوجهة ودون سابق تخطيط منها أو طلب. فالدخول يتمّ إن وقع بشكل سرّي ويدخل المهاجر تبعا لذلك رحلة الإختباء والإختفاء خوفا من العثور عليه وسجنه أو إرجاعه إلى خارج الحدود، فالهجرة غير الشرعية تتمثل في قيام شخص لا يحمل جنسية الدولة أو غير المرخص له بالإقامة فيها بالتسلل إلى الدولة عبر حدوها البحرية و البرية أو الجوية بدون وثائق، أو دخول الدولة عبر منافذها الشرعية بوثائق و تأشيرات مزورة… وهناك العديد من الظروف و الأسباب التي ساهمت في تفاقم و تفشي الهجر السرية، تتمثل في: – الأسباب الاقتصادية و الاجتماعية :يمكن تلخيص ذلك فيما يعانيه هؤلاء المهاجرين سيما الشباب منهم من مظاهر البطالة و انخفاض الأجور و تدني مستوى المعيشة في بلدانهم. – الأسباب السياسية و الأمنية :فالدول المصدرة للمهاجرين تتسم في معظمها بالحرمان السياسي و النظم الفردية و فقدان حرية التعبير و الرأي و الديمقراطية و غياب حقوق الإنسان و احترام الحريات العامة ، بحيث يشعر الأفراد بحالة من عدم الاستقرار النفسي و الاجتماعي و الرغبة في البحث عن ملجأ آمن يحقق لهم الكرامة الإنسانية و حرية الرأي و التعبير عن الذات و الديمقراطية. و تظهر هذه الظاهرة بالذات في الدول الأكثر تسلطا و قمعا خاصة في دول العالم الثالث حيث يزداد عدد الأشخاص المهاجرين بأي وسيلة غير شرعية للخلاص من الواقع القائم. كما أن الفساد و الاستبداد و التوزيع غير العادل للثروات و انتهاك الحقوق و الحريات في بعض الدول المصدر للعمالة بالإضافة إلى افتقار الأمن و صعوبة اقتضاء الحق من بين الأسباب التي تكون دافعا في تخلي العديد من البشر عن موطنهم الأصلي و الهجرة إلى موطن آخر بحثا عن الأمن و الكرامة. – الأسباب الطبيعية : كثيرا ما تتعرض مناطق مختلفة من العالم لموجات قحط و جفاف مما ينجر عنه اختلالا كبيرا في نظم الحياة ، فالكوارث الطبيعية التي تتسبب في تدهور الممتلكات و المشاريع التي يضطر سكانها للانتقال و الهجرة إلى دول خارجية من أجل البحث عن مكان آخر يتوفر على ظروف العمل و الاستقرار، و بذلك تلعب العوامل الجغرافية دورا كبيرا في هجرة العديد من الأفراد إلى من أوطانهم هروبا من الأوضاع القاسية التي يعانون منها، و هو ما يضاعف وتيرة الهجرة غير الشرعية في دول الإفريقية. و من جانب آخر تعتبر العوامل الديمغرافية كذلك من العوامل المحفزة على هجرة السكان فارتفاع عدد السكان و انخفاض مستوى المعيشة و الظروف الاقتصادية و السياسية. لقد احتلت ظاهرة الهجرة غير الشرعية صدارة الاهتمامات الدولية و الوطنية لاسيما في ظل التوجه العالمي نحو العولمة الاقتصادية و تطورت تداعياتها، حيث أصبح موضوع الهجرة غير الشرعية خلال السنوات الأخيرة من المسائل الرئيسية و الهامة التي تدعو إلى القلق في العديد من دول نتيجة انعكاس آثارها و تسارع وتيرتها بشكل مخيف يستدعي إيجاد استراتيجيات تعاون بين الدول لتطويق و الحد من توسعها و استفحالها، فالعديد من دول إفريقيا و دول العالم العربي مثل اليمن و سوريا و ليبيا تعيش ظروف استثنائية مما دفع بمواطنيها إلى اتخاذ قرار الهجرة سواء بصفة طواعية او بشكل قسري نحو الدول الأوروبية بحثا عن الأمان و السلام والاستقرار والشغل. وتشكل قضية الهجرة غير الشرعية أخطر القضايا الاجتماعية، التي لا تزال تؤرق المجتمع الدولي، وهي مشكلة شديدة الحساسية لكونها تمس جميع شرائح المجتمع ، بحيث أصبحت الظاهرة لا تقتصر على الشباب خاصة الذكور منهم، بل ارتفع خط بيانها إلى فئة الإناث و حتى الكهول و الشيوخ و الأطفال. و تعتبر تونس من بين الدول المصدرة للهجرة غير الشرعية، فقد أفادت رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة بتونس “لورينا لاندو”، بأن تونس احتلت المرتبة الأولى من حيث عدد المهاجرين غير النظاميين نحو ايطاليا خلال عام 2018 . و نظرا لخطورة الهجرة غير الشرعية تم العمل على مكافحتها على الصعيد الدولي ( الجزء الأول) و على الصعيد الوطني ( الجزء الثاني). الجزء الأول: المكافحة الدولية للهجرة غير الشرعية حرص المجتمع الدولي على مكافحة الهجرة السرية و ذلك عبر إقرار مجموعة من الاتفاقيات الدولية ( الفقرة الأولى) و عقد مؤتمرات دولية ( الفقرة الثانية). الفقرة الأولى: الإتفاقيات الدولية لقد تم اقرار مجموعة من الاتفاقيات التي تهدف الى منع الهجرة السرية، و لعل اهمها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية التي عرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 25 في الدورة الخامسة والخمسون في 15 نوفمبر 2000، و تهدف إلى تعزيز التعاون على منع الجريمة المنظمة عبر الوطنية ومكافحتها بمزيد من الفعالية، وتلزم الدول الأطراف بأن تنفذ الالتزامات الواردة في الاتفاقية على نحو يتفق مع مبدأ المساواة في السيادة والسلامة الإقليمية للدول ومع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ومن ثم يلزمها باتخاذ ما يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الأفعال الخاصة بالأنشطة الإجرامية للجماعة الإجرامية المنظمة بشتى الصور الوارد النص عليها في صلب الاتفاقية. و تم كذلك اعتماد بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البحر والبر والجو الصادر بالقرار رقم 25 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر عام 2000 والمكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة غير الوطنية. و يهدف البرتوكول إلى تحقيق أقصى حد من فوائد الهجرة الدولية بمن يعنيهم الأمر ويركز القانون على ضرورة معاملة المهاجرين معاملة إنسانية وحماية حقوقهم الإنسانية حماية تامة ومحاربة أنشطة الجماعات الإجرامية المنظمة في مجال تهريب المهاجرين وسائر الأنشطة الإجرامية ذات الصلة الموضحة في البروتوكول . و قد حث البروتوكول كل دولة طرف باتخاذ ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى؛ لتجريم الأفعال التالية في حال إرتكابها عمدًا ومن أجل الحصول بصورة مباشرة أوغير مباشرة على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى: تهريب المهاجرين، و القيام بغرض تسهيل الهجرة بإعداد وثيقة سفر أو هوية مزورة، وتدبير الحصول على وثيقة من هذا القبيل أو توفيرها أو حيازتها، وتمكين شخص ليس مواطنًا أو مقيمًا دائمًا في الدولة المعنية من البقاء فيها دون التقيد بالشروط اللازمة للبقاء المشروع في تلك الدولة وذلك باستخدام الوسائل غير المشروعة. و تم كذلك اقرار الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم والصادرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 158 بتاريخ 18/12/1990. و قد عالجت بإسهاب كافة حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم سواءً كانت حقوق إقتصادية أو إجتماعية أو ثقافية أو مدنية أو غيرها. وأكدت الإتفافية علي مبدأ حماية حقوق الإنسان، وعلى أهمية معاملة العمال المهاجرين بصورة لا تقل عن حقوق العمال في التشريعات الوطنية، و على ان حقوق العمال يجب ان تًصان حتى وإن كان المهاجر غير شرعي، وحق المهاجرين وأسرهم في الرعايا والضمان الإجتماعي حتى إن كانوا في وضع غير قانوني… ولكن لم تعالج الإتفاقية بوضوح حقوق الفئة التي هي في وضع غير قانوني من العمال المهاجرين مع ضمان حد ادنى من الحماية لحقوقهم الأساسية. و إعتمدت منظمة الأمم المتحدة في الجلسة الثانية والعشرون لعام 2008 ميثاق جديد سمي بحقوق الإنسان المهاجر إحتوي علي عُدة حقوق للمهاجرين بصورة عامة، فأكد من جديد الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الفقرة الثانية: المؤتمرات الدولية عملت الدول على عقد مجموعة من المؤتمرات الدولية التي تهدف الى وضع آليات و حلول للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية لعل من اهمها مؤتمر روما عام 2017… و تم تبني عدة قرارات من اهمها قرار صادر عن المؤتمر الحادي والثلاثين لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في جنيف عام 2011، وتضمن دعوة الدول إلى التشاور مع الجمعيات الوطنية للهلال والصليب الأحمر من أجل ضمان وجود قوانين وإجراءات تمكن الأخيرة من الوصول الفعلي والآمن لجميع المهاجرين دون تمييز. و تم كذلك بلورة عدة مبادرات تهدف الى القضاء على الهجرة غير الشرعية، حيث قام سكرتير عام مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص في عام 2006 بمبادرة وضع من خلالها تصورا حول التعامل مع قضايا الهجرة من منظور القانون الدولي الخاص.
الجزء الثاني: المكافحة الوطنية للهجرة غير الشرعية حرصت تونس على إيجاد آليات للحد من الهجرة السرية و ذلك عبر تدعيم التعاون الدولي مع دول الجوار ( الفقرة الأولى) و إقرار قوانين ردعية (الفقرة الثانية) الفقرة الأولى: دعم التعاون الدولي عملت تونس على دعم التعاون مع بلدان الضفة الشمالية للمتوسط، وسعت الى تكثيفه وتوسيع نطاقه ليشمل مجالات أخرى كالأمن الاقليمي والتنمية المتضامنة بين ضفتي المتوسط. وقد تم ابرام تعاونا ثنائيا وثيقا بين تونس وايطاليا في مجال التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية تطبيقا لاتفاق بين البلدين مؤرخ في 6 أوت 1998، وكذلك بين تونس وفرنسا بفضل اتفاقية تعاون مؤرخة في فيفري 1994 وتم استكمالها في جانفي 1996.
أما في اطار آلية الحوار «5 زائد 5» التي تجمع 10 بلدان من شمال وجنوب الحوض الغربي للمتوسط، فقد عملت تونس وشركاؤها على البحث عن الطرق والوسائل الكفيلة بالقضاء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وجعل حوض البحر الابيض المتوسط فضاء للأمن والازدهار. وقد كانت تونس قد احتضنت يومي 16 و17 أكتوبر 2002 مؤتمرا وزاريا حول الهجرة في غرب المتوسط،، ثم احتضنت يومي 5 و6 ديسمبر 2003 القمة الاولى لرؤساء دول وحكومات بلدان الحوض الغربي للبحر الابيض المتوسط التي أفضت الى اعتماد “اعلان تونس” الذي أعربت فيه البلدان المتوسطية عن ارتياحها لاعتماد المقاربة التونسية الشاملة والمتوازنة لظاهرة الهجرة، وأكد رؤساء الدول والحكومات ان “مجابهة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر تستدعي القيام بعمل مشترك وتعاون منسق بما في ذلك المجال العملياتي وكذلك معالجة أسبابهما الحقيقية في نطاق الحرص على احترام مبادئ الكرامة الانسانية”. الفقرة الثانية: اقرار قوانين ردعية سعت تونس الى مكافحة الهجرة السرية عن طريق وضع نصوص زجرية، حيث صدر القانون عدد 6 لسنة 2004 المؤرخ في 3 فيفري 2004 المتعلق بتنقيح القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرخ في 14 ماي 1975 المتعلق بجوازات السفر و وثائق السفر و الذي رتب عقوبة ب :

  • السجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ثمانية آلاف دينار كل من يرشد أو يدبّر أو يسهّل أو يساعد أو يتوسّط أو ينظّم بأيّ وسيلة كانت، ولو دون مقابل، دخول شخص إلى التراب التونسي أو مغادرته خلسة سواء تمّ ذلك برا أو بحرا أو جوّا، من نقاط العبور أو من غيرها. و اعتبر أن المحاولة موجبة للعقاب وكذلك الأعمال المعدة مباشرة لارتكاب الجريمة ( الفصل 38).
    ¬¬- السجن مدة أربعة أعوام وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار كل من يتولى إيواء الأشخاص الداخلين أو المغادرين للتراب التونسي خلسة أو منظمي الهجرة السرية أو خصص مكانا لإيوائهم أو أخفاهم أو عمل على ضمان فرارهم أو عدم التوصل إلى الكشف عنهم أو عدم عقابهم، و كل من وفر وسيلة نقل مهما كان نوعها بهدف ارتكاب جرائم الهجرة السرية أو المساعدة على ارتكابها ( الفصل 39).
  • السجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها اثنا عشر ألف دينار كل من تعمد نقل شخص أو أشخاص لغاية إدخالهم إلى التراب التونسي أو إخراجهم منه خلسة مهما كانت الوسيلة المستعملة ( الفصل 40).
  • السجن مدة ستة أعوام وبخطية قدرها عشرون ألف دينار كل من شارك في وفاق أو كوّن تنظيما يهدف إلى إعداد أو تحضير أو ارتكاب جرائم الهجرة السرية أو أداره أو انخرط فيه أو تعاون معه أو ساعده بأي طريقة كانت سواء كان ذلك داخل البلاد أو خارجها ( الفصل 41). – السجن مدة عشرة أعوام وبخطية قدرها ثلاثون ألف دينار إذا ارتكبت تلك الجرائم في إطار تنظيم أو وفاق ( الفصل 42).
  • السجن مدة اثني عشر عاما وبخطية قدرها أربعون ألف دينــار إذا ارتكبــت تلك الجرائم : ممن عُهد إليه بحراسة الحدود أو نقاط العبور أو الموانئ بصفة مباشرة أو غير مباشرة أو بمراقبتها، أو ممن عَهد إليه القانون مهمة معاينة هذه الجرائم وزجر مرتكبيها، اومن أعوان قوات الأمن الداخلي أو من أعوان القوات العسكرية أو أعوان الديوانة، او ممن استغل صفته أو النفوذ الممنوح له بحكم وظيفته أو عمله، أو ضد طفل أو باستخدامه ( الفصل 43).
  • السجن مدة خمسة عشر عاما وبخطية قدرها خمسون ألف دينار إذا نتج عن الجريمة سقوط بدني للأشخاص الواقع إدخالهم إلى التراب التونسي أو إخراجهم منه تفوق نسبته عشرين بالمائة، ويكون العقاب بالسجن مدة عشرين عاما وبخطية قدرها مائة ألف دينار إذا نتج عن الجريمة موت ( الفصل 44). – السجن مدة ثلاثة أشهر وبخطية قدرها خمسمائة دينار كل من يمتنع عمدا ولو كان خاضعا للسرّ المهني عن إشعار السلط ذات النظر فورا بما بلغ إليه من معلومات أو إرشادات وبما أمكن له الاطلاع عليه من أفعال حول ارتكاب جرائم الهجرة السرية. ويستثنى من ذلك الأصول والفروع والإخوة والأخوات والقرين.
    ولا يمكن القيام بدعوى الغرم أو المؤاخذة الجزائية ضدّ من قام عن حسن نيّة بواجب الإشعار ( الفصل 45). وتضاعف العقوبات في صورة العود ( الفصل 53). و يعفى من العقوبات من بادر من المنتمين إلى تنظيم أو المشاركين في وفاق بإبلاغ السلط ذات النظر قبل علمها بإرشادات أو معلومات مكنت من اكتشاف الجرائم قبل تنفيذها أو من تفادي تنفيذها أو الحدّ من آثارها أو من اكتشاف مرتكبيها أو بعضهم أو من إلقاء القبض عليهم ( الفصل 46).
    وإذا ارتكبت عدة جرائم متباينة يعاقب الفاعل لأجل كل واحدة بانفرادها، ولا تضم العقوبات إلى بعضها ( الفصل 47).
    و تقضي المحكمة بمصادرة وسائل النقل والأشياء والأدوات التي استعملت أو كانت معدة للاستعمال في ارتكاب جرائم الهجرة السرية، ما لم تثبت ملكيتها للغير حسن النية وكذلك الأموال المتحصل عليها منها. ويمكن للمحكمة أن تقضي بسحب الرخص الإدارية الممنوحة من السلط التونسية وذلك بصفة وقتية أو نهائية إذا ثبت استغلالها لارتكاب جرائم الهجرة السرية ( الفصل 48).
    و للمحكمة أن تقضي بالمراقبة الإدارية أو المنع من الإقامة بأماكن معينة لمدة أقصاها خمسة أعوام على مرتكبي جرائم الهة السرية من التونسيين، ولا يمنع ذلك من الحكم بكل أو بعض العقوبات التكميلية الأخرى المقررة قانونا ( الفصل 49).
    و يجب طرد الأجنبي المحكوم عليه من أجل تلك الجرائم من التراب التونسي بمجرد قضائه للعقاب، ويحجر على الأجنبي المحكوم عليه دخول البلاد التونسية مدة عشرة أعوام إذا كان العقاب من أجل جنحة ومدى الحياة إذا كان العقاب من أجل جناية ( الفصل 50).
    وتنطبق العقوبات على مسيري وأعوان الذوات المعنوية بصفة شخصية إذا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية في ذلك. وتسلط على الذات المعنوية خطية قدرها ستون ألف دينار إذا ثبت انتفاعها من الجريمة ( الفصل 51).
    وتسقط الدعوى العمومية بمضي اثنتي عشرة سنة كاملة إذا كانت ناتجة عن جناية، وخمس سنوات إذا كانت ناتجة عن جنحة، وذلك ابتداء من يوم وقوع الجريمة، بشرط أن لا يقع في بحر تلك المدة أي عمل تحقيق أو تتبع ( الفصل 54). مع الملاحظ أن المشرع لم يمنح المحكمة المختصة بالنظر في هذه الجرائم إمكانية تسليط العقوبة المالية دون العقوبة البدنية بل ألزمها بالتصريح بالعقوبتين دون خيار وذلك يؤكد نزعة التشديد في التشريعات الخاصة بالهجرة السرية بما هي هجرة غير قانونية لكنها منظمة ينخرط في تأمينها والتخطيط لها أكثر من جهة. وعاقب المشرّع الفرنسي شأنه شأن المشرّع التونسي الفعل المنظم في شكل جماعي وكل وفاق يهدف إلى إدخال الأجانب إلى فرنسا سرّا وبشكل غير قانو ني. وقد ادرجت المجلة التأديبية والجزائية البحرية الصادر بها قانون 30 مارس 1977 صلب أحكامها موادا خاصة بالسفر خلسة. إذ عرفت المادة 67 المسافر خلسة وهو” كل شخص يختفي بالسفينة في أي ميناء أو مكان مجاور له بدون رضى صاحب السفينة أو الربان أو أي شخص مسؤول عن السفينة ويكون على متنها إثر مغادرتها ذلك الميناء أو المكان “. وقد عاقبت المادة 76 كل شخص ساعد بالبحر أو بالبر المسافر خفية على الإبحار أو النزول بالبر أو يخفيه أو يزوده بالطعام من غير علم الربان. وتدخّل المشرّع وأضاف مادة إلى مجلة التنظيم الإداري للملاحة البحرية وهي المادة 57 مكرر التي أوجبت على السفن المجهزة بمحرك والتي يفوق حجمها الخام خمسة أطنان الرسو داخل الموانىء أو بالمواقع الساحلية البحرية المخصصة لها.

الخاتمة: ان استغلال مافيات تهريب المهاجرين السريين الوضع المرتبط بمجابهة فيروس كورونا لتنظيم عمليات هجرة سرية يقتضي تشديد العقوبات بشأنهم، و لكن نلاحظ انه لا يكفي الجانب الزجري للحد من الهجرة السرية، و ذلك باعتبار أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية في الحقيقة هي معضلة خطيرة و قضية معقدة و شائكة في بنيتها و في سياقها لأنها ترتبط بعوامل متداخلة، و ترجع في بعدها إلى تراكمات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و حتى نفسية و أمنية ، فالهجرة غير الشرعية اليوم من الملفات الساخنة التي أثارت العديد من الجهود الدولية و الوطنية و الإقليمية من خلال القوانين الردعية و الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الدول في سبيل تطويق هذا النزيف الذي نخر جسد الدول النامية المصدرة و الدول الغنية المستقبلة ، نتيجة للآثار و الانعكاسات الخطيرة منها الاتجار بالبشر و الجريمة غير المنظمة و غيرها. لذلك لا بد من مقاربة شاملة من جميع الجوانب منها النفسية و الاجتماعية والسياسية و الأمنية، بالإضافة إلى مساهمة وتظافر جهود الجميع في الأسرة و المدرسة و المحيط الاجتماعي و المسجد ووسائل الإعلام في باب التوعية و الاعلام لتفادي المآسي التي عرفتها بعض العائلات والفواجع التي أصابت بعض الشباب من التونسيين والأفارقة في رحلات مغامرة و مجنونة اودت بحياتهم..

إعداد : الدكتور جابر غنيمي

المساعد الاول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بالمهدية

مدرس جامعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق