العزلة: الجرح الخفي الذي كشفته المياه،فيضانات تونس ومحنة القيم: قراءة سوسيولوجية وأخلاقية في انهيار الترابط الاجتماعي.

لم تكن الفيضانات التي اجتاحت عدداً من ولايات الجمهورية التونسية مجرّد كارثة طبيعية خلّفت خسائر مادية وبشرية، بل شكّلت، في عمقها، لحظة كاشفة لاختبار البنى القيمية والنسيج الاجتماعي للمجتمع التونسي. ففي زحمة الصور المتداولة عن الخراب والدمار، برزت حادثة صامتة ولكنها بالغة الدلالة صورة مؤلمة لوفاة امرأة مسنّة داخل منزلها أثناء الفيضانات، دون أن ينتبه إليها محيطها الاجتماعي، ولم يُكتشف أمرها إلا بعد فوات الأوان.
لا يمكن النظر إلى هذه الواقعة باعتبارها حادثاً عرضياً أو استثناءً مأساوياً، بل هي مؤشر خطير على خلل قيمي عميق، وانهيار متدرّج لمنظومة الترابط الاجتماعي تجاه الفئات الهشّة، خاصة منها كبار السن الذين يعيشون في عزلة اجتماعية صامتة.
لقد كانت الكارثة الطبيعية كاختبار قيمي إذ انها لا تكتفي بتعطيل الحياة اليومية أو إحداث دمار مادي، بل عملت ككاشفاً اجتماعياً» يعرّي أنماط السلوك الفردي والجماعي، ويُظهر مدى تماسك المجتمع أو هشاشته. ففي لحظات الخطر، تتراجع الخطابات، وتسقط الأقنعة، ويظهر الجوهر الأخلاقي للسلوك الإنساني.
لقد كشفت الفيضانات الاخيرة ، إلى جانب الدمار في البنى التحتية عن تصدّعات عميقة في ثقافة التضامن، حيث بدأ أن مظاهر التكافل الجماعي رغم أهميته، غالباً ما يكون ظرفي، موسمي، مرتبط بالصدمة الإعلامية، أكثر من كونه امتداداً لثقافة يومية راسخة تقوم على التفقد والاهتمام المتبادل. فالتكافل الحقيقي لا يُقاس بعدد المبادرات أثناء الأزمات، بل بمدى حضور الجار في حياة جاره قبل وقوع الكارثة.
بين النزعة الفردية وتراجع المسؤولية الجماعية
من جهة أولى، لقد ساهم تمدّد النزعة الفردية في إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، حيث تقلصت دوائر الاهتمام بالآخر، وتراجع الإحساس بالمسؤولية تجاه الجار، خاصة عندما لا تجمعه علاقة مصلحة أو قرابة مباشرة. وتحوّل القرب المكاني إلى تعايش صامت، يخلو من التفاعل الإنساني الحقيقي.
ومن جهة ثانية، يبرز تقصير بنيوي في أداء المؤسسات العمومية والهياكل المحلية في متابعة الفئات الهشّة. إذ يكشف هذا الحدث غياب آليات فعّالة للرصد الاجتماعي، وضعف التنسيق بين البلديات،ودور العمد والمجالس المحلية، والفرق المتنقلة التابعة للوزارات ذات الإهتمام الاجتماعي ، والجمعيات، في تحديد الأشخاص المعرضين للخطر، خاصة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم.
المقلق في هذا المشهد أن التضامن، حين يُفرغ من بعده القيمي، يتحوّل إلى ممارسة انتقائية، موسمية، تنشط زمن الكارثة وتذوب بزوالها. غير أن الترابط الاجتماعي، في معناه العميق، ليس فعلاً استثنائياً، بل نمط حياة يومي يتجسّد في أبسط السلوكيات كالسؤال عن الغائب. و زيارة للمسن، وإحساس دائم للآخر.
إن وفاة امرأة مسنّة في صمت ليست فقط مأساة إنسانية، بل دليل على تراجع ثقافة النجدة، وضعف الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وتحوّل التضامن من قيمة أخلاقية إلى مشهد إعلامي.
الان بات من الضروري إعادة قيمة بناء الترابط الاجتماعي كقيمة ضرورية لا كخيار.وتفرض هذه المأساة وقفة نقدية جادّة لإعادة النظر في السياسات الاجتماعية القطاعية ، والدعوة ملحة إلى إعادة بناء عقد اجتماعي يراعي خصوصية المرحلة و يقوم على:
-الانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية والاستباق.
-إدماج البعد القيمي والأخلاقي في السياسات العمومية والمخططات التنموية ، لا باعتباره خطاباً رمزياً، بل كإطار توجيهي للفعل الاجتماعي .
– تعزيز دور الهياكل المحلية والفرق الاجتماعية في الرصد المبكر والمتابعة الدائمة للفئات الهشّة.
– ترسيخ مفهوم «المجتمع اليقظ» القائم على المسؤولية المشتركة دون المساس بالخصوصيات.
إن ما كشفته الفيضانات الأخيرة التى اجتاحت الجمهورية التونسية يتجاوز حدود الكارثة الطبيعية، ليضعنا أمام أزمة رؤية وقيم. فالمأساة لم تكن في قوّة المياه وحدها، بل في هشاشة الاستعداد الإنساني والمؤسسي لمواجهة آثارها الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تفرض هذه الحادثة المؤلمة جملة من الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها:
أولاً:
ما قيمة الندوات والمؤتمرات التي التأمت حول التغيرات المناخية، إذا لم تُفعَّل أوراقها العملية، ولم تُترجم توصياتها إلى سياسات استباقية تحمي الإنسان قبل البنية التحية.؟
ثانياً:
لماذا تُعدّ الدولة مخططات تنموية اقتصادية وعمرانية، دون أن تُواكبها بمخطط قيمي وأخلاقي واضح، يعيد الاعتبار للتكافل الاجتماعي، ويُؤسّس لمسؤولية جماعية تُحمِّل الجميع واجب حماية الفئات الهشّة؟
ثالثاً:
ما جدوى الفرق المتنقلة التابعة لوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، إذا ظلّ تدخلها محكوماً بمنطق التدخل المتأخر، وبسياسات قطاعية تقليدية تجاوزها الزمن، غاب عنها الاستباق، والرصد، والاستشراف؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة يعتبر شرطاً أساسياً لتجنّب تكرار مثل هذه المآسي. فالكوارث الطبيعية ستتكرّر، لكن الكارثة الأخطر هي أن يتكرّر معها الصمت، والعزلة، وغياب الإنسان عن الإنسان.
الدكتورة عقيلة بالطيب.










