مجتمعمقالات

التهوّر في مجابهة الكوارث ليست شجاعة وإنما هي من “سوء الأدب مع الله”

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

يروي أحمد أبن أبي الضياف في كتابه “إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان” في الجزء الرابع في صفحته 129: عن تعامل الدولة في عهد المشير أحمد باشا باي مع وباء الكوليرا الذي ضرب المملكة التونسية في منتصف القرن التاسع عشر إذ يقول ( بتصرف طفيف):
في 2 سبتمبر سنة 1849 الموافق ل 17 محرم 1266، ظهر بالمملكة التونسية مرض وبائي يُعبّر عنه في أرض الحجاز بالريح الأصفر وأصله من أمراض الهند وعبر عنه في بلادنا بالكوليرا وتلقي هذا الاسم من أطباء الإفرنج… وصورته والعياذ بالله،أن يصيب الإنسانَ إسهال وقيئ، فيصفر لونه ويسودّ فيموت في ساعات أو قليل من الأيام وقلّ من ينجو منه، ولم يتقدّم مثله في القُطر.
كان أول ظهوره في جبل الرقبة (ربما تكون مدينة غار الدماء حاليا) ثم انتقل إلى باجة فدام بها قليلا ومات بها الكثير فعزم الباي ( المشير أحمد باي ) بإشارة بعض الأطباء على التحفظ من وصوله إلى الحاضرة بمنع الخلطة فأمر أمير لواء عسكر الخيالة أن يُرتّب عسّة من العسكر تمنع القادمين من باجة ونواحيها إلى الحاضرة. وأمر آخر أن يتوجه في عقد من الخيل لجهة أخرى.. وارتحل الباي إلى بستان وزيره مصطفى خزندار المعروف بقرطاجنّة على ساحل بحر حلق الواد. وقام محتفظا على عادة “الكرتينة” واشتد خوفه من المرض وضيَّق بعدم الخلطة بالكرتينة ولا يُستثنى منه إلا الأطباء، حتى قال بعضهم أن التحفظ بالكرتينة لم يكن في الملة الإسلامية وهو من اختراع الأمم الإفرنجية. وأشاع المرجفون بأن الباي قد سافر من المملكة خفية وأبقى ختمه بيد وزيره أبي النخبة مصطفى خزندار.. فصار الملك يخرج بعض الأيام أمام القصر لتراه الناس.
وقلت له يوما ” قد بالغنا في الخوف” فقال لي بديهة : “يُقبِّحُ الخوف إذا كان من قِرْنٍ تراه ويراك وتنال منه وينال منك، أما من سطوة الله فإذا لم يُجَمّل الخوف فلا يُقبِّحُ، ولعل الشجاعة في مثله من سوء الأدب مع الله ولسنا من رجال التّوكل”.
واشتدّ حال هذا المرض في شعبان، ومات بسببه في الحاضرة أكثر من مائتين في اليوم، فأشار العالم الفقيه القاضي الحنفي الشيخ مصطفي بن محمد بن حسين بيرم بجمع 40 شريفا اسمهم محمد يجتمعون في جامع الزيتونة من الصباح الى الظهر يقرؤون سورة يَس أربعين مرة، ويدعون الله بدعوات حرّرها لهم، ناقلا ذلك من بعض الكتب ( من بعض الصالحين والأعمال بالنيات) فاجتمعوا بجامع الزيتونة وتضرّعوا الى من يجيب المضطر اذا دعاه، فتراجعت الشدة ونقص عدد الموتى من ذلك اليوم شيئا بعد شيء حتى اضمحلّ بفضل الله ورحمته..

المشيرأحمد باشا باي والطاعون

محمد العماري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق