مجتمع

أزمة وباء فيروس كورونا و تفعيل الفصل 70 فقرة 2 من الدستور التونسي

إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات إعلانات

( التفويض التشريعي لرئيس الحكومة في إصدار مراسيم)      

إعداد: جابر غنيمي

المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بالمهدية

و مدرس جامعي

بالنظر إلى تفشي فيروس الكورونا “كوفيد-19” بطريقة مفزعة و رهيبة في شتى دول العالم، و ما نتج عنه من آلاف الإصابات و الوفايات، إتخذت أغلب الدول عدة إجراءات و تدابير تهدف إلى الحد من تفشيه و مجابهته للقضاء عليه، فتم غلق الحدود البرية و البحرية و الجوية، و تعليق جميع الأنشطة الرياضية و الثقافية و الدروس، و غلق الفضاءات و المساحات التجارية العامة و المطاعم و المقاهي و الملاهي و المناطق الصناعية…
و لعل من التدابير الفعالة التي تم إتخاذها من قبل الدولة التونسية لمكافحة فيروس الكورونا الحجر الصحي، و مكافحة ظاهرة الإحتكار…
و يعرف الحجر الصحي بأنه إجراء يخضع له الأشخاص الذين ظهرت عليهم أعراضا سريريّة لفيروس كورونا، فهو يتمثل في مختلف الإجراءات الطبية المتبعة لإحباط إنتشار العدوى.
وقد يكون الحجر الصحي في منزل الشخص، أو منشأة أو فضاء خاص مثل فندق، مستشفى، بناية خاصة…
و قد يتم فرض الحجر الصحي على منطقة معينة أو مدينة انتشر فيها مرض معين، أو على كامل البلاد.
و من الآثار السلبية لمخالفة الحجر الصحي نقل العدوى إلى الغير بسرعة فائقة، و بالتالي تزايد عدد المصابين بفيروس كورونا.
أما الإحتكار فيعرف بأنه هو حبس مال أو منفعة أو عمل ، والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره غلاءً فاحشاً غير معتاد ، بسبب قلته ، أو انعدام وجوده ، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه ، و هو كل عمل من شأنه سوء استغلال المركز الاقتصادي للحد من المنافسة المشروعة، بهدف جني أرباح خيالية، وبصورة مخالفة للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها السوق بالاستناد إلى قاعدة العرض والطلب.
وتتعدد الآثار السلبية للإحتكار، وأهمها الحد من المنافسة المشروعة، والسيطرة على النشاطات التجارية، والتحكم بالأسعار عبر رفعها أو منع خفضها، والحيلولة دون الإفادة من مزايا الاختراعات والاكتشافات الحديثة، إلا إذا كانت تصب في مصلحة المحتكر، وعدم استغلال كافة الموارد الطبيعية والإنتاجية بقصد التحكم بقاعدة العرض والطلب، وسوء توزيع الثروة والدخل، فمن الممكن أن نجد فقراً مدقعاً مقابل ثراء فاحش، وقد يصل الأمر إلى درجة التحكم بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الدول وفي العالم بأسره.
و لئن يعتبر مكافحة الجريمة واجبا مقدسا ملقى على عاتق السلطات المختصة التي تسهر على دعم الآمن في الجماعة، فإن أنجع وسيلة لمعاقبة الجاني تكمن في الدعوى العمومية التي تباشر بإسم المجتمع بواسطة النيابة العمومية، باعتبار أن الجريمة تلحق ضررا بالمجتمع ككل، فالدعوى العمومية هي وسيلة المجتمع لتوقيع العقاب على الجاني تمارسها بإسمها النيابة العمومية.
و قد نص الفصل 25 م ا ج على أنه: ” يمثل وكيل الجمهورية بنفسه أو بواسطة مساعديه النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية”.
و لم يعرف المشرع التونسي النيابة العمومية، لذلك تدخل الفقهاء لتدارك السكوت التشريعي عن تعريفها، فاختلفوا في ذلكن و في تحديد طبيعتها القانونية. فقد إعتبرها الأستاذ المنصف بوقرة:” مجموعة قضاة يتمثل دورهم في حماية الشرعية و حفظ النظام العام و الآمن الاجتماعي”.
و تلعب النيابة العمومية دورا حيويا في فرض تطبيق التدابير الوقائية لمكافحة فيروس الكورونا من خلال إمتلاكها لسلطة التتبع ( الجزء الأول) غير أن دورها تواجهه جملة من العوائق ( الجزء الأول)
الجزء الأول: سلطة النيابة العمومية في التتبع
لقد جاء بالفصل 2 من مجلة الإجراءات التونسية أن:” إثارة الدعوى العمومية و ممارستها من خصائص الحكام و الموظفين الذين أناطها القانون بعهدتهم”.
وينص الفصل 20 م ا ج على أن:” النيابة العمومية تثير الدعوى العمومية وتمارسها كما تطلب تطبيق القانون، وتتولى تنفيذ الأحكام”.
و لم يحدد المشرع التونسي ما المقصود بالإثارة، بل إكتفى بتحديد الأطراف التي تثير الدعوى العمومية.
و يمكن القول أن إثارة الدعوى العمومية هي العمل القانوني الذي يضع النزاع بين يدي السلطة القضائية المختصة للفصل فيها و إصدار الأحكام في الجريمة موضوع التتبع أو طلب إجراء الأبحاث الهادفة إلى الوصول إلى الحقيقة في ارتكاب الجريمة.
و بالرجوع إلى المعجم القانوني يمكن تعريف التتبع بأنه جملة الأعمال التي تقوم بها النيابة العمومية تطبيقا للقانون و بحثا عن مرتكب الجريمة، فهي جميع الأعمال السابقة لمرحلة التحقيق.
و إثارة الدعوى العمومية هي العمل الأولي التي تنطلق به الدعوى العمومية، فهي أول عمل من أعمال ممارسة الدعوى العمومية، لكن الإثارة ليست كل أعمال الممارسة و هو ما يستدعي التمييز بينهما، فإثارة الدعوى العمومية هو الإجراء المبدئي الذي ينطلق به التتبع الجزائي للكشف عن مرتكب الجريمة، في حين أن ممارسة الدعوى العمومية تعني مجموع الأعمال الإجرائية التي يقع القيام بها بعد الإثارة و التي تحتكرها النيابة العمومية أو الإدارة دون المتضرر، و هي تتمثل في جميع الأعمال الإجرائية من تقديم الطلبات و الدفوع و تحرير المستندات و تقديم الطعون التي يكون الغاية منها إصدار حكم بات في القضية.
و تبعا لذلك يمكن القول بأن مرحلة التتبع تجمع بين إثارة الدعوى العمومية و ممارستها، فهي تشمل جميع الأعمال الأولية التي يقوم بها الأعوان المؤهلون بمعاينة الجريمة و الأعمال اللاحقة التي تقوم بها السلط المختصة بمباشرة الدعوى العمومية و تحقيق الملاحقة الجزائية.
و عملا بأحكام الفصل 26 من م ا ج الذي ينص على أن:” وكيل الجمهورية مكلف بمعاينة سائر الجرائم وتلقي ما يعلمه به الموظفون العموميون أو أفراد الناس من الجرائم وقبول شكايات المعتدى عليهم”، فإن النيابة العمومية تأذن حال معاينتها لجريمة أو تلقيها شكاية أو وشاية أو إعلامها من قبل أعوان الضابطة العدلية بجريمة ما بمباشرة الأبحاث، و ذلك بسماع المشتبه بهم و إجراء المكافحات و المعاينات اللازمة و الحجز و أخذ القرارات المناسبة بشأنهم سواء بإبقائهم بحالة سراح أو الإحتفاظ بهم، ثم فصل المحضر فيما بعد و تحرير قرار إحالة إلى المجلس الجناحي أو محكمة الناحية أو فتح بحث تحقيقي بحسب المرجع الحكمي لكل جريمة.
و في إطار مجابهة فيروس كورونا يتعين على النيابة العمومية أن تلعب دورا محوريا و أساسيا في إثارة التتبع، و ممارسة الدعوى العمومية، و ذلك بالتطبيق الصارم و الحازم للقانون، بخصوص مخالفة الحجر الصحي ( الفقرة الأولى) و إرتكاب الممارسات الإحتكارية ( الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى: دور النيابة العمومية في إثارة التتبع ضد المخالفين لإجراءات الحجر الصحي:
يعيش العالم على كارثة تفشي فيروس كورونا، و في هذا الإطار يعتبر الحجر الصحي من أهم التدابير لمنع تفشيه. و قد تقرر في تونس في البداية الحجر الصحي الذاتي ، و لكن أمام عدم التزام الأفراد بذلك فقد تقرر منع التنقل من ولاية إلى أخرى، و فرض الحجر الصحي العام، و لا يمكن مغادرة المنزل، إلا في حالة الضرورة القصوى.
و رغم ذلك فقد برزت عديد الأفعال التي تمثل إخلالا بهذه التدابير، و استهتارا من قبل مرتكبيها، و تشكل جرائم خطيرة على أمن و صحة المجتمع، فلقد لاحظنا عدة جرائم ارتكبها البعض، و التي من أهمها عدم الخضوع من طرف عدد من العائدين من بؤر فيروس كورونا لإجراءات الحجر الصحي و الاتصال المباشر بعديد الأشخاص و المؤسسات سواء الخاصة أو العامة، أو الفرار إلى الخارج عبر طائرة تابعة الخطوط التونسية و عدم الإعلام عن الإصابة، أو رفض تطبيق الإجراءات الاحترازية و التنقل عبر الحافلات إلى المناطق المخصصة لهم للالتزام بالحجر الصحي كما حصل في الأيام الأخيرة بمطار تونس- قرطاج بالنسبة للعائدين الذين تم إجلائهم من الخارج، و الذين فروا إلى وجهات غير معلومة، و الذين قد يتسببون في كارثة، لا قدر الله، في حال إصابتهم بفيروس كورونا، بحكم إحتكاكهم بالعديد من الأفراد، أو مخالفة حظر التجول و قانون الطوارئ، و فتح المقاهي و الملاهي رغم قرارات الغلق، أو الإنتصاب بالأسواق، أو إقامة الأعراس كما حصل في عدة مدن تونسية، و على هذا الأساس يتعين على النيابة العمومية إثارة التتبع ضدهم، و ضد كل شخص يثبت مخالفته لإجراءات الحجر الصحي، و الحرص على إتخاذ القرارات الرادعة و الحازمة بشأنهم.
و على النيابة العمومية تطبيق النصوص القانونية الصادرة في الغرض.
فقد نص الفصل 312 م ج على أنه: ” يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها مائة وعشرون دينارا كل من يخالف التحجيرات وتدابير الوقاية والمراقبة المأمور بها حال وجود مرض وبائي”.
و نص الفصل 9 من الأمر عدد لسنة 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 حالة الطوارئ أن كل مخالفة لأحكامه تعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين وبخطية تتراوح بين ستين (60 د) وألفين وخمسمائة دينار (2500 د ) أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. و تقوم السلطة الإدارية بالتنفيذ الوجوبي للتدابير المتخذة بمقتضى هذا الأمر بقطع النظر عن وجود الأحكام الجنائية الواردة به.
ويعاقب الفصل 19 من قانون الأمراض السارية كل شخص وقع استشفاؤه وجوبا و يغادر من تلقاء نفسه المؤسسة التي وقع قبوله لديها حتى ولو كان ذلك لأقصر مدة، بالسجن لمدة تتراوح بين شهر وستة أشهر.
و يعاقب الفصل 18 من القانون المذكور بالسجن لمدة تترواح بين سنة و ثلاث سنوات على المصابين بالكورونا:
1 ) إذا رفضوا مباشرة أو متابعة العلاج المحدد لهم رغم إلزامهم بذلك مع إثباته.
2 ) إذا سعوا عمدا من خلال سلوكهم إلى انتقال المرض المصابين به إلى أشخاص آخرين.
الفقرة الثانية: دور النيابة العمومية في إثارة التتبع ضد المحتكرين
يرجع للنيابة العمومية الدور المتميز في تتبع جريمة الاحتكار، و في إثارة التتبع ضد كل مرتكبيه بدون استثناء سواء كان مرتكب الإحتكار تاجر صغير أو تاجر كبير أو مؤسسة . و في هذا الإطار يتعين عليهم التطبيق السليم و الحازم للقانون على المحتكرين و المضاربين و من تسول له نفس التلاعب بقوت التونسيين و استغلال هذه الظروف العصيبة للاستثراء غير المشروع . و على النيابة العمومية تطبيق النصوص القانونية المجرمة للاحتكار.
فقد جرم المشرع التونسي الإحتكار، و ذلك صلب القانون عدد 36 لسنة 2015 مؤرخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار و المجلة الجزائية. و يقوم الإحتكار على الامتناع عن البيع و البيع المشروط و الزيادة غير القانونية في الأسعار و الإخلال بتراتيب الدعم…

  • الإمتناع عن البيع: يعاقب الفصل 47 من القانون عدد 36 لعام 2015 رفض البيع بخطية من 200 دينار إلى 10.000 دينار.
    2- البيع المشروط: يعاقب الفصل 47 من القانون المذكور البيع المشروط بخطية من 200 دينار إلى 10.000 دينار.
    3- الزيادة غير القانونية في الأسعار: يعاقب الفصل 52 من القانون المذكور الترفيع غير القانوني في الأسعار ومن أجل تطبيق أسعار غير قانونية ، وكذلك من أجل التحريض على تطبيق أسعار تختلف عن الأسعار المحددة أو ضبطها من قبل أشخاص غير مؤهلين، بالسجن من 16 يوما إلى ثلاثة أشهر وبخطية من 300 دينار إلى 30.000 دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
    و قد نص الفصل 139 من المجلة الجزائية على أنه يعاقب بالسجن من شهرين إلى عامين وبخطية من أربعمائة وثمانين دينارا إلى أربعة وعشرين ألف دينارا كل من يحدث أو يحاول أن يحدث مباشرة أو بواسطة ترفيعا أو تخفيضا مصطنعا في أسعار المواد الغذائية أو البضائع أو الأشياء العامة أو الخاصة وذلك بتعمد ترويج أخبار غير صحيحة أو مشينة لدى العموم أو تقديم عروض بـالسوق بهدف إدخال اضطراب على الأسعار أو تقديم عروض شراء بأسعار تفوق ما طلبه الباعة أنفسهم أو بغيرها من وسائل وطرق الخداع مهما كان نوعها.
    4- الإخلال بتراتيب الدعم: يعاقب الفصل 52 من القانون المذكور الإخلال بتراتيب الدعم بالسجن من شهر إلى عام وبخطية من 2000 دينار إلى 100.000 دينار أو بإحدى العقوبتين فقط.
    5- الغش: نص الفصل 294 من المجلة الجزائية على أنه يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها سبعمائة وعشرون دينارا من يغشّ عمدا المشتري بأن يسلّم له شيئا غير الشيء المحقّق المعيّن بذاته الذي اشتراه.
    ويستوجب نفس العقاب كل من يغشّ، باستعمال الحيل، المشتري في طبيعة أو كمية أو جودة الشيء المسلّم له.
    و سن المشرع التونسي القانون عدد 40 لسنة 1999 المؤرخ في 10 ماي 1999 المتعلق بالمترولوجيا القانونية، و الذي أخضع أدوات القيس المستعملة في الوزن إلى التحقق الدوري ، حيث يقوم أعوان المترولوجيا القانونية بالرقابة المترولوجية القانونية بواسطة معايير أو لوازم مرجعية مرتبطة بالمعايير الوطنية، و ذلك لمنع الغش في الميزان.
    و قد حجر عرض وبيع وعرض للبيع وكراء وتسليم ومسك واستعمال ، كل أدوات قيس ليس لها الصبغة القانونية أو تنتمي لصنف غير خاضع للرقابة المترولوجية القانونية. وحجر إدخالها إلى البلاد التونسية.
    و فرض على ماسكي أدوات القيس المعدة للإستعمال في عمليات القيس:
  • إستعمال أدوات قيس قانونية ومتصلة بطبيعة نشاطهم.
  • إخضاع أدوات القيس التي بحوزتهم أو التي يستعملونها إلى التحقق الدوري.
  • توفير لغاية التحقق، كل الوسائل التي يستعملونها إلى التحقق الدوري.
  • التأكد من صحة وحسن صيانة والسير الصحيح والإستعمال القانوني لأدوات القيس التي يستعملونها في نطاق نشاطهم.
  • تولي وضع أدوات القيس بطريقة تمكن من الإستعمال الصحيح لهذه الأدوات، وجعلها على مرأى ومقربة من المشترين والباعة حتى يتسنى لهم معاينة علامات الرقابة ونزاهة عمليات القيس بسهولة.
    و يعاقب كل من يخالف ذلك بخطية مالية تتراوح بين 100 و1000 دينار.
    و حماية للمستهلك من كل إخلال بنزاهة المعاملات أقر المشرع التونسي القانون عدد 117 لسنة 1992 المؤرخ في 7 ديسمبر 1992 المتعلق بحماية المستهلك، حيث نص في الفصل الأول على أنه: ” يهدف هذا القانون إلى ضبط القواعد العامة المتعلقة بسلامة المنتوجات ونزاهة المعاملات الاقتصادية وحماية المستهلك”.
    ويعاقب على مخالفة القواعد المتعلقة بسلامة المنتوجات و نزاهة المعاملات الإقتصادية بخطية مالية تتراوح بين 500 و20000 دينار وبالسجن لمدة تتراوح بين ستة عشر يوما وثلاثة أشهر أو بإحدى العقوبتين فقط. و ترفع العقوبات إلى الضعف إذا كانت المنتوجات مضرة بالصحة.
    الجزء الثاني: العوائق التي تواجه الدور الحيوي للنيابة العمومية في مكافحة فيروس كورونا
    لئن تقوم النيابة العمومية بمجهودات جبارة لمكافحة آفة الكورونا من خلال إثارة التتبع بخصوص جرائم مخالفة الحجر الصحي و الممارسات الإحتكارية، إلا أن هذا الدور تعترضه جملة من العوائق سواء القانونية ( الفقرة الأولى) أو المادية ( الفقرة الثانية)
    الفقرة الأولى: العوائق القانونية
    ما يلاحظ في هذا الخصوص، أنه و رغم الدور الذي تقوم به النيابة العمومية من أجل تتبع جرائم مخالفة الحجر الصحي و الممارسات الإحتكارية على المجتمع، سواء بالنظر إلى مساس الحجر الصحي بالصحة العامة و مكافحة وباء الكورونا من خلال التقليص من إنتشاره بمنع الحركة و التنقل و تكريسا لنظرية التباعد الاجتماعي، أو سواء بمساس الاحتكار بعيش و قوت المواطنين و إستقرار البلاد و العباد، إلا أن عمل النيابة تواجهها جملة من العوائق القانونية، و التي من أهمها:
  • غياب تجريم بعض الأفعال التي تساهم في تفشي وباء الفيروس: من ذلك فإن عدم إحترام الإجراء الوقائي المتمثل في إحترام مسافة الأمان الصحي إي مسافة الإبتعاد المقدرة بالمتر بين الأشخاص لا يرتب عنا القانون أي عقاب، و هنا جدير بالتنويه بالقانون الإيطالي في هذا الشأن، ففي إيطاليا مثلا، ينص المرسوم الحكومي الصادر يوم 8 مارس 2020 الخاص بتدابير إحتواء فيروس كورونا المستجد على عقوبات في حالة عدم الامتثال بالإبتعاد مسافة متر واحد بين الناس وإنتهاك القيود المفروضة على حرية التنقل والحانات والمطاعم والمحلات التجارية ومراكز التسوق، فالأشخاص الذين ينتهكون قيود التنقل عُـرضة للسجن لمدة تصل إلى 3 أشهر ودفع غرامة تصل إلى 206 يورو. ..
    و كذلك في مدينة موسكو بروسيا يترتب عن عدم الامتثال للإجراءات الاحترازية، دفع غرامة قدرها 80 ألف روبل. أما في الحالات التي يؤدي فيها خرق القانون إلى وفاة شخص، فإن عقوبة سجن، تصل إلى خمس سنوات .
  • غياب عقوبة السجن في بعض الجرائم المتعلقة بالممارسات الإحتكارية، و الاقتصار على الخطية فقط مثل الامتناع عن البيع و البيع المشروط و عدم التحقق الدوري للموازين…
  • الصلح: إقرار آلية الصلح في بعض الجرائم التي تشكل لقانون المنافسة و الأسعار، مما يمكن المخالف من الصلح مع الإدارة، و بالتاي تنقرض الدعوى العمومية بموجب الصلح. و بالتالي من الوجيه و لو مؤقتا تعليق إمكانية الصلح في مثل هذه الجرائم.
  • العقوبات الخفيفة التي تضمنتها النصوص المجرمة لمخالفة الحجر الصحي و الإحتكار: فهي في أغلبها مخالفات أو جنح من إختصاص محكمة الناحية أو المحكمة الإبتدائية، و من هنا تتجه الحاجة إلى إعادة تنقيح هذه القوانين، و ذلك في إطار تكريس التشديد في العقاب بخصوص هذه الجرائم. ففي خصوص جريمة مخالفة التدابير الوقائية فان العقاب ب6 أشهر و الخطية ب 240 دينار غير كافية لتحقيق الردع.
    و على عكس المشرع التونسي، نجد أن القوانين المقارنة تشدد في عقوبة نقل العدوى، فوفقًا لقانون العقوبات السويسري، يُحظر نشر “المرض البشري الخطير والمُعدٍ”، ويُحكم على الجناة بالسجن لمدد تتراوح بين سنة وخمس سنوات.
    و وفقا للقانون المصري، فأنه يعاقب كل من يحتكر أي نوع من أنواع السلع بالسجن من 3 إلى 5 سنوات، و تصل عقوبة بيع السلع بأعلى من سعرها الرسمي بالسجن لمدة تتراوح بين 5 و 7 سنوات.
    و من هنا يكون الدور العاجل على المشرع التونسي لمزيد التشديد في العقاب بشأن هذه الجرائم التي تمثل مساسا بأمن البلاد وصحة العباد، و التي تدخل في باب جرائم المساس بأمن الدولة و جريمة القتل العمد المسبوق بإضمار، أو الجرائم الإرهابية، و كذلك العمل على تجريم بعض التدابير الاحترازية مثل مسافة الأمان الصحي التي تمثل وسيلة فعالة لتفادي إنتشار الفيروس.
    الفقرة الثانية: العوائق المادية:
    أعضاء النيابة العمومية هم بشر يمكن أن يتعرضوا كغيرهم من البشر إلى خطر الإصابة بعدوى فيروس كورونا، بالنظر إلى تعاملهم بفئات متعددة من الأشخاص في محيط المحكمة و خارجها، و هم يؤمنون حصص الإستمرار، و هم في مواجهة مباشرة مع حالات الإصابة و القيام بالمعاينات…،
    فعمل النيابة العمومية تواجهها جملة من العوائق المادية التي من المتعين والأكيد تلافيها، لعل من أهمها:
  • تعقيم المحكمة و كافة المكاتب و التجهيزات، و توفير وسائل التعقيم و الكمامات و القفازات الكافية لأعضاء النيابة العمومية.
  • توفير الكمامات للمتهمين عند مقابلتهم لأعضاء النيابة العمومية.
  • توفير وسائل التعقيم و الكمامات و القفازات لسائر المتعاملين مع المحكمة من أعوان سجون وأعوان الضابطة العدلية و كذلك للكتبة…
  • العمل على إرسال المحاضر بشكلها الورقي إلى النيابة العمومية في شكل لامادي.
  • التقليص مؤقتا من سماع النيابة العمومية للمتهمين عند النظر في محاضر الموقوفين.
  • غياب تجهيز المحاكم بوسائل التكنولوجيا الحديثة، من ذلك الإستماع إلى المتهمين عن بعد بواسطة الوسائل السمعية البصرية المباشرة، مما يجنب الإحتكاك المباشر.
  • المعاينات الموطنية:عدم القيام مؤقتا بالمعاينات الموطنية.
  • قلة الوعي لدى المواطن مما يجعله يتوانى عن الإعلام عن حالات مخالفة الحجر الصحي و عمليات الاحتكار.
  • عدم خلاص حصص إستمرار النيابة العمومية رغم صدور أمر في الغرض منذ عدة أشهر.
    الخاتمة:
    تظل النيابة العمومية، جهازا رئيسيا بإمتياز في مكافحة الجريمة، حماية للمجتمع، و في تتبع كل من يقترف أي جريمة تساهم في تفشي وباء كورونا، أو في المساس بالأمن الغذائي و الصحي للمواطن.
    و تظل تمارس دورها الحيوي الذي أنيط بعهدتها، بشكل يحقق الزجرو الردع، و ذلك في إطار المجهود الوطني للتصدي لفيروس كورونا الوبائي، و ذلك بالتطبيق السليم و الصارم للقانون على المخالفين و المجرمين، و أثارة التتبع ضد كل من يثبت إرتكابه للأفعال الإجرامية التي تشكل خطورة على أمن الوطن و المواطن و صحته.
    إن قيام النيابة العمومية بهذا الدور الحيوي و الاستراتيجي يقتضي من الدولة أن توفر له الوسائل و الظروف المناسبة من وسائل مادية و لوجستية و قانونية و غيرها.
    نحن في حالة حرب ضد وباء الكورونا، و على النيابة العمومية ممارسة صلاحياتها كاملة و بدون تردد ضد المستهترين و المحتكرين و المضاربين المجرمين، و أخذ زمام المبادرة و التحرك تلقائيا في كل وضعية تمثل خرقا للقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق