مقالات

من الاستقرار الأمني إلى بناء الدولة: الإنسان كمدخل للاستقرار الإقليمي والدولي

بقلم أ.د. محمد علي مارم
أستاذ العلوم المالية والمصرفية – جامعة عدن
سفير اليمن السابق لدى جمهورية مصر العربية
عميد السلك الدبلوماسي العربي سابقًا
في ظل التحولات العميقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز التجربة اليمنية بوصفها حالة اختبار حقيقية لمدى قدرة المقاربات الدولية والإقليمية على الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الدولة. إن ما تشهده اليمن اليوم، وبصورة خاصة الجنوب، من تحولات خطيرة في بنية الدولة والمجتمع، يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن تحقيق الاستقرار دون بناء الإنسان وتمكين الكفاءات الوطنية المؤهلة؟
تُظهر التجارب الدولية المقارنة، ومنها فنزويلا، أن التدخلات الخارجية مهما بلغت قوتها تظل عاجزة عن إنتاج استقرار دائم ما لم تستند إلى بنية داخلية قادرة على الحكم الرشيد. فالقوى الكبرى تستطيع احتواء المخاطر وحماية مصالحها، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة أو تبني شرعيتها من الخارج.
في الحالة اليمنية، لا يكمن جوهر الأزمة في شح الموارد أو غياب الموقع الاستراتيجي، بل في تهميش الكفاءات الوطنية، وإضعاف المؤسسات، وتغليب منطق القوة على منطق الدولة. وقد أدى ذلك إلى تفكيك الإدارة العامة وفتح المجال أمام الفاعلين من غير الدول، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الوطني والإقليمي.
وفي هذا السياق، تعوّل النخب اليمنية على وجه الخصوص، والمجتمع اليمني على وجه العموم، كثيرًا على دور المملكة العربية السعودية، بوصفها دولة محورية في الإقليم، في أخذ هذه المعايير بعين الاعتبار عند دعم أي مسار للتغيير في اليمن، بما يضمن انتقالًا سليمًا ومستقرًا، يحفظ وحدة الدولة، ويؤسس لسلام مستدام.
كما يثمّن الشعب اليمني وقياداته الوطنية عاليًا الدعوة إلى عقد المؤتمر الجنوبي، باعتبارها خطوة مهمة في اتجاه تنظيم الحوار الداخلي ومعالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالجنوب. ويأمل اليمنيون أن تتبع هذه الخطوة دعوة إلى مؤتمر وطني شامل لاستقرار اليمن بشكل عام، نظرًا لما يمثله استقرار اليمن من أهمية قصوى لأمن المنطقة، واستقرار البحر الأحمر، وحماية التجارة الدولية.
إن استقرار اليمن، والجنوب على وجه الخصوص، لا يتحقق عبر حلول أمنية مؤقتة أو تسويات هشة، بل عبر مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار للإنسان اليمني، ويمكّن الكفاءات المؤهلة من إدارة مؤسسات الدولة، ويؤسس لشراكة متوازنة مع الإقليم والمجتمع الدولي.
إن بناء الإنسان يمثل الأساس الحقيقي لبناء علاقات دولية متينة. فالدول لا تثق في الأنظمة بقدر ما تثق في المؤسسات، ولا تستثمر في البيئات الهشة، بل في الدول القادرة على الإدارة الرشيدة، والشفافية، والاستقرار القابل للاستدامة.
وعليه، فإن تمكين الكفاءات الوطنية ليس مطلبًا داخليًا فحسب، بل ضرورة إقليمية ودولية، تسهم في:
– إعادة بناء الدولة
– تعزيز الاستقرار الإقليمي
– تأمين الممرات البحرية والتجارة الدولية
– خلق شراكات طويلة الأمد قائمة على الثقة
إن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، ولا يُستدام بالوصاية، بل يُبنى ببناء الإنسان، وتُمكّنه الكفاءات، وتحميه الدولة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى