مقالات

قراءة في دروس الحرب

كتب أحمد رفعت يوسف

كل الدلائل تشير، إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في طريقها إلى التوقف، حيث تشهد كواليس السياسة، في عواصم القرار، والدول المؤثرة، حركة سياسية ودبلوماسية نشيطة، للتوصل إلى صيغة ما لوقفها، لأنها خطرة على الأمن العالمي، ولا يمكن أن تترك لحسابات أي جهة أو دولة، مهما كانت.

الإعلام في الغرب، عنده مشكلة حقيقية، لأنه يحاول أن يظهر لنا صورة جميلة، عن نجاح الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، ولا أظن أن هذه هي الصورة، التي بدأ العالم يراها.

أصبح مؤكداً أن إسرائيل هي من بدأت الحرب، وجرت أمريكا إليها، وهذا سيكون له حسابات أمريكية خاصة، سنراها بعد توقف الحرب، لأن معظم النخب الأمريكية، وخاصة في الكونغرس والبنتاغون، معارضين لها، وبدأت الأصوات تترفع، وتحذر من خطورتها، على وضع أمريكا.

في حال توقفت هذه الحرب، وفق ما وصلت إليه حتى اليوم، وفي حال لم يحدث أي تطور غير عادي، مثل ضرب أسلحة نووية، أو مهاجمة المفاعلات والمواقع النووية، فقد تنتهي وفق معادلة تقول “أمريكا وإسرائيل لم تنتصرا وإيران لم تسقط ولم تخسر الحرب”.

في حسابات الربح والخسارة في الحروب، لا يقتصر التقييم فقط على الجانب العسكري والمادي، وعدد الضحايا، وإنما يشمل الآثار والتداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثير الحرب على توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، وهذه الحرب من الحروب التي تعتبر تأثيراتها في التوازنات الجيوسياسية في المنطقة والعالم، أكبر بكثير من أي حسابات أخرى، وما بعدها لن يكون كما قبلها.

وفق هذه الحسابات يمكن تأكيد عدة حقائق:

سايكس بيكو القديم انتهى، ونشهد اليوم نهايات الشرق الأوسط القديم، وهناك رسم جديد للخرائط، والصراع على من يرسمها، ويضع حدودها..

منظومة التوازنات الإقليمية والدولية، التي بنيت وفق التداعيات والقواعد التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، في طريقها للانتهاء، وهناك توازنات وحسابات جيوسياسية جديدة ستنشأ، وأمريكا تحاول مقاومة هذا التغيير، وظهور عالم جديد، لكن مستقبل هذا العالم، لن يكتب بيد أمريكا وحدها.

هذه الحسابات تعني أشياء كثيرة:

الشرق الأوسط سيتغير.. وإسرائيل ستتغير.. وأمريكا ستتغير.. وإيران ستتغير.. وتركيا ستتغير.. وأوروبا ستتغير.. وأكبر المستفيدين الصين وروسيا.

ما يخص سورية من هذه الحرب، فلأول مرة، لم نكن في اتون صراعات المنطقة، وهذا نقطة مهمة جداً، أراحت الشعب السوري، لكن هذا لا يعني أننا غير معنيين بما يجري، أو أننا خارج الحدث، وإنما نحن في قلب الحدث، ومحوره أيضاً، وهذا الهدوء قد لا يستمر.

هذا يستدعي منا قراءة المشهد، والوضع المعقد في المنطقة والعالم، بهدوء وبعمق، حتى نتجنب الانزلاق من جيد إلى الحرب، أو ندخل في نزاعات لا تخدم مصالحنا، وحتى نحول هذه الأزمات والصراعات من حولنا، إلى فرصة ذهبية لسورية، لأن حركة راس المال، والاستثمارات، ونشاط الشركات، ورجال الأعمال، يتميز بحساسية مفرطة، تجاه الأوضاع الأمنية والسياسية، وسورية اليوم، أرضاً خصبة للاستثمارات، وعالم الأعمال والمال، لكن هذا يتطلب توفير البنية الأساسية، وفي مقدمتها، بناء مؤسسات الدولة، والأمن والأمان.

هذا يتطلب خطوات جوهرية، وقراءة مختلفة كثيراً، عن الفترة التي تلت سقوط نظام الأسد وحتى الآن، وينتظرها الشارع السوري، للانتقال إلى مرحلة جديدة، تتوافق مع مصالح سورية دولة وشعباً، وهذا ما يجب أن يتم خلال الفترة الانتقالية، وتكون أكثر جدوى بقدر ما ننجزها بوقت أقل، للوصول إلى دولة المواطنة، والأمن والأمان، وأهمها عقد مؤتمر وطني عام وموسع، وبتمثيل حقيقي، لكل مكونات الشعب السوري، ينتج عنه لجنة لصياغة دستور جديد، يتوافق مع خصوصية الشعب السوري، وغناه بكافة مكوناته، وبما يؤسس لإعادة بناء مؤسسات الدولة، على أسس وطنية، وفي مقدمتها البرلمان، والحكومة، والمؤسستين العسكرية والأمنية.

رغم كل ما نشهده من توترات وحروب، فإن الشعب السوري، بما يمتلكه من إرث حضاري وتاريخي، يتميز بأنه شعب حيوي ومبدع، ويمتلك كل الإمكانات لنهضة سورية، وإعادة إعمارها، لكن هذا يتطلب، توفير البنية الأساسية، لبدء هذه المرحلة، وملخصها يقول “أعطونا دولة القانون والأمان وخذوا ما يدهش العالم”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى