مقالات

فخ القروض الميسرة.. سوسيولوجيا “تأنيث الديون” وتفكك الأسرة الريفية!

بقلم د. قياتي عاشور
لسنوات طويلة، كان الريف المصري يمثل “قلب الإنتاج” النابض وعصب التكافل الاجتماعي؛ حيث تعتمد الأسرة على مواردها الذاتية وتدير أزماتها المالية بحكمة عبر آليات التضامن التقليدية، مثل “الجمعيات” الخالية من الفوائد والمبنية على الثقة ورأس المال الاجتماعي. ولكن، مع تعقيدات الحياة المعاصرة وتزايد الاحتياجات المادية بأشكالها المختلفة، زحفت إلى قرانا ظاهرة اقتصادية وسوسيولوجية شديدة الخطورة، ألا وهي انتشار ما يُسمى بـ “القروض متناهية الصغر” أو القروض السريعة، التي تحولت بمرور الوقت من أداة لدعم المشروعات التنموية إلى فخ يبتلع استقرار الأسر.
إذا اقتربنا من المشهد بعدسة التحليل الاجتماعي، سنجد أن الكارثة تبدأ من حالة “الاستسهال”. لقد أصبح الحصول على الأموال أمراً بالغ السهولة؛ فمندوبو الشركات يطرقون الأبواب ويبيعون الوهم بكلمات معسولة وإجراءات سريعة. وهنا نقع في الفخ الأول؛ حيث يتم توجيه هذه القروض، ليس للإنتاج أو لتأسيس مشروع صغير يدر عائداً مستداماً، بل للاستهلاك المباشر. لقد أصبح لسان حال الكثيرين: “نأخذ القرض لنأكل ونشرب به”، أو لسداد ديون متراكمة، أو لتجهيز العرائس بمبالغات لا تتناسب مع قدرات الأسرة. هذا التحول العنيف من “عقلية الإنتاج” إلى “عقلية الاستهلاك بالدين” يمثل شرخاً عميقاً في ثقافة الريف المصري.
أما البعد الأشد خطورة في هذه الظاهرة، فهو ما يمكن أن نطلق عليه سوسيولوجياً مصطلح “تأنيث الديون”. من الملاحظ بوضوح أن الأغلبية الساحقة من هذه المديونيات تتم عن طريق النساء. هذه الشركات تستهدف المرأة الريفية تحديداً؛ لعلمها اليقيني بأنها الحلقة الأكثر التزاماً وخوفاً من الوصمة الاجتماعية والفضيحة. وفي كثير من الأحيان، يدفع الزوج زوجته للحصول على القرض باسمها لتغطية نفقات المنزل، ثم يتنصل من المسؤولية تاركاً إياها تواجه مصيراً مجهولاً وحدها.
تكتمل حلقات هذا الفخ المظلم مع “النسب المغالى فيها” التي تفرضها تلك المؤسسات كفوائد إدارية ومركبة، مقترنة بإجبار السيدات على توقيع “إيصالات أمانة” كضمانات. تجد المرأة البسيطة نفسها ملزمة بدفع أضعاف المبلغ الأصلي، ومع أول تعثر في السداد، تبدأ الكارثة الاجتماعية؛ إذ يتحول القرض إلى معول هدم يضرب استقرار الأسرة. تتصاعد المشاحنات اليومية بين الأزواج، وتتزايد معدلات الطلاق، وتصل الأمور أحياناً إلى هروب الزوج أو سجن الزوجة (ظاهرة الغارمات)، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار و”تفكك المجتمع” الريفي الذي كان مضرباً للأمثال في التماسك والترابط.
رغم قتامة هذا المشهد، تقتضي الأمانة العلمية والموضوعية أن نشير إلى وجود نماذج إيجابية مضيئة. هناك نساء ريفيات مكافحات استخدمن هذه القروض في مسارها الصحيح؛ فأسسن مشروعات صغيرة (كتربية الطيور، أو إقامة مشغل خياطة، أو تجارة بسيطة)، ونجحن بامتياز في توفير دخل مستدام لأسرهن وسداد القروض بانتظام. هذا يثبت أن “المال” في حد ذاته ليس المشكلة، بل غياب “الوعي المالي”، وثقافة الاستهلاك العشوائي، وجشع بعض الشركات هي جذور الأزمة الحقيقية.
نحن أمام ظاهرة تتطلب تدخلاً حاسماً. نحتاج إلى نشر وعي مجتمعي حقيقي بخطورة “استسهال الديون”، كما نأمل في تشديد الرقابة المؤسسية على سياسات هذه الشركات ونسب أرباحها وآليات تحصيلها. لا بد أن تتكاتف جهود مؤسسات التوعية لحماية الأسرة الريفية من هذا الفخ، وإعادة توجيه البوصلة نحو ثقافة العمل والإنتاج، لتظل بيوتنا في القرى عامرة بالستر، بدلاً من أن تظل مهددة بانهيار الديون.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى