سوف تمنحني هذه الرحلة فرصة لرؤية ما ينجح، وما يتغير، وما هو القادم—بالنسبة للهند وبالنسبة لمؤسسة غيتس.

بقلم: Bill Gates
بعد أيام قليلة، سأسافر إلى India—وهي زيارتي الثالثة خلال ثلاث سنوات. الهند مكان تلتقي فيه التحديات الكبرى بطموحات أكبر، حيث تُحوِّل الابتكارات حياة الناس على نطاق هائل. في كل مرة أكون هناك، أرى عن قرب حجم التقدم المحقق في مجالات الصحة العامة والزراعة والتكنولوجيا. وأعود دائمًا بأفكار جديدة، لأن الهند مليئة بأشخاص أذكياء وطموحين يعملون على حل بعض أصعب مشكلات العالم بطرق إبداعية.
ستكون هذه الزيارة مهمة أيضًا لأنه—وبمناسبة مرور 25 عامًا على تأسيس مؤسسة Bill & Melinda Gates Foundation—سيجتمع مجلس الأمناء في دول الجنوب العالمي لأول مرة. والهند هي المكان المناسب لهذا الحدث. فقد عملت المؤسسة في البلاد لأكثر من عقدين، بالشراكة مع الحكومة والباحثين ورواد الأعمال لتحسين الصحة والتنمية. واليوم، تُعد الهند موطنًا لبعض أكثر البرامج تأثيرًا التي ساهمنا فيها، بدءًا من مكافحة الأمراض وتحسين الصرف الصحي، وصولًا إلى تمكين المرأة والخدمات المالية الرقمية. وستمنحني هذه الرحلة فرصة لرؤية ما ينجح، وما يتغير، وما هو القادم—للهند وللمؤسسة.
سجل الهند في الصحة العامة يثبت ما يمكن تحقيقه. عندما زرتها في عام 2011، كانت من آخر الدول التي لا تزال تكافح مرض Polio. لكن في ذلك العام، وبعد جهود متواصلة، سُجلت آخر حالة—ومنذ ذلك الحين، بقيت خالية من شلل الأطفال. كما يُعد برنامج “أفاهان” للوقاية من HIV/AIDS، الذي أطلقته المؤسسة قبل عقدين، قصة نجاح أخرى؛ إذ اعتمد نهجًا يقوده المجتمع لخفض معدلات الإصابة، مكمّلًا جهود الحكومة، قبل أن تنتقل إدارته لاحقًا إلى السلطات الهندية.
النموذج نفسه—الذي يعتمد على القيادة المحلية والحلول المبتكرة والبيانات—يقود الآن جهود الهند لمكافحة Tuberculosis. ورغم أن البلاد تتحمل أعلى عبء عالمي للمرض، فإن استثماراتها في التشخيصات الجديدة وأدوات الكشف المدعومة بالذكاء الاصطناعي واستراتيجيات العلاج المحسّنة تُسرّع التقدم نحو القضاء عليه.
كما أن نجاح الهند في تطعيم الأطفال سبب آخر يجعلني متحمسًا للعودة والتعلم أكثر. ففي السنوات الأخيرة، وسّعت البلاد برامج التطعيم الروتينية بشكل كبير، وأتاحت جميع اللقاحات الأساسية للأطفال، مع استخدام لوحات بيانات رقمية لتتبع التغطية ومراقبة سلاسل التبريد وتحسين رعاية الأم والطفل. وقد ساهمت هذه الجهود في خفض معدلات الوفيات وتعزيز النظام الصحي لمواجهة التحديات الجديدة.
وعلى الصعيد العالمي، تُحدث الهند تحولًا في كيفية التعامل مع التشخيص والعلاج للأمراض المعدية، ما جعلها رائدة في تصنيع اللقاحات منخفضة التكلفة، لضمان توفرها عالميًا. كما تعمل الشركات الهندية على جعل أدوات التشخيص أكثر affordability، ومن أبرز المبادرات تطوير اختبار للسل يعتمد على اللعاب بتكلفة أقل من دولارين، ما قد يساعد ملايين الأشخاص على الكشف المبكر والعلاج السريع.
بعيدًا عن الصحة، تتصدر الهند أيضًا مشهد التحول الرقمي. فقد أسهمت البنية التحتية الرقمية العامة—مثل نظام الهوية “Aadhaar” وأنظمة الدفع الرقمية—في تمكين ملايين الأشخاص من الوصول إلى الخدمات البنكية والصحية والحكومية. واليوم، يجري توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن هذه البنية لدعم العاملين الصحيين في المناطق الريفية وتحسين التشخيص المبكر ورعاية الحوامل وإدارة بيانات المرضى.
كما يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في الزراعة. ففي ولاية أوديشا، رأيت مزارعين يستخدمون أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالطقس واختيار المحاصيل وتقليل مخاطر الأمراض. وأنا متحمس لرؤية مدى تطور هذه الأدوات خلال الفترة القصيرة الماضية.
ما يجعل تقدم الهند مؤثرًا حقًا هو أنه لا يقتصر عليها فقط. خلال رئاستها لمجموعة العشرين في عام 2023، أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي عزمه مشاركة الابتكارات الهندية عالميًا—وهو ما يحدث بالفعل. من اللقاحات إلى التشخيصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تُشارك الهند حلولها مع العالم، بما في ذلك إفريقيا وآسيا، وتُثبت أن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تجعل الرعاية الصحية أفضل للجميع، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.
في مؤسسة غيتس، نعمل على مواجهة التحديات الكبرى بالشراكة مع المجتمعات والحكومات المعنية. وكانت الهند شريكًا استثنائيًا بفضل خبرتها واستعدادها لتطوير وتوسيع الحلول. ورغم استمرار التحديات—مثل القضاء على السل وتحسين التغذية وتوسيع الوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعي—فإن الهند أثبتت مرارًا أن التقدم يتحقق عندما تتكامل الابتكارات مع القيادة المحلية والاستثمار.
لهذا السبب أنا متحمس جدًا لهذه الرحلة. سألتقي بقادة حكوميين وعلماء ومحسنين يشكلون مستقبل الصحة والتنمية في الهند، وسأزور مبتكرين يعملون على حلول قد تفيد العالم بأسره. كما سأرى كيف يندرج عمل المؤسسة ضمن هذه القصة الأكبر—وكيف يمكننا مواصلة دعم الجهود الهندية لتحسين حياة الناس.
دائمًا ما أغادر الهند وأنا مُلهم… وأعلم أن هذه الرحلة لن تكون استثناءً.









