روسيا من التحالف إلى المقايضة

بقلم/ محمد الصالحي
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بدا واضحاً أن هذه الحرب لم تكن مجرد صراع إقليمي بين دولتين، بل أداة استراتيجية استخدمها الغرب لإعادة ضبط سلوك روسيا وإدخالها في دائرة استنزاف طويلة الأمد داخل مجالها الحيوي. هذا الاستنزاف لم يقتصر على البعد العسكري أو الاقتصادي، بل امتد ليطال استقلالية القرار الروسي ذاته، ويدفع موسكو نحو تبني مواقف أكثر مرونة، بل وأقرب إلى التكيف مع الضغوط الأمريكية، بما يعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة السلوك الروسي على الساحة الدولية.
انعكست هذه التحولات بوضوح في المنطقة العربية، وتحديداً في الملف السوري، حيث كشفت الوقائع عن مستوى متقدم من التفاهمات غير المعلنة بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، أفضت في نهاية المطاف إلى تخلي موسكو عن أحد أهم حلفائها في المنطقة، وهو نظام بشار الأسد. هذا التحول لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة لمسار طويل من التنسيق، بدأ بالسماح بعمليات استهداف ممنهجة لمواقع تابعة لـالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني داخل الأراضي السورية، وهو ما أدى تدريجياً إلى تقليص نفوذ هذه القوى، وإعادة رسم موازين القوة داخل سوريا بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
في هذا السياق، لم يكن سقوط النظام السوري حدثاً معزولاً، بل جاء متزامناً مع لحظة كانت فيها روسيا تحقق نوعاً من الأفضلية النسبية في أوكرانيا، ما يشير إلى وجود مقايضات استراتيجية أعمق من مجرد تفاعلات ميدانية. وقد عززت بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين روس هذا الاتجاه، حيث أُشير إلى حصول موسكو على ضمانات من قوى المعارضة السورية بعدم المساس بالقواعد أو المصالح الروسية، وهو ما يكرّس فرضية أن روسيا أعادت تموضعها بما يضمن الحفاظ على مصالحها الحيوية، حتى وإن كان ذلك على حساب حلفائها التقليديين.
ولا يتوقف الأمر عند الساحة السورية، بل يمتد إلى ما قبل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حيث برزت مؤشرات على دور روسي ملتبس، تمثل في محاولات طمأنة إيران بعدم وجود نية لشن هجوم عليها، في وقت كانت فيه التحضيرات العسكرية والسياسية تسير في اتجاه معاكس. هذا السلوك يعكس نمطاً من إدارة الأزمات قائم على الازدواجية، أو على الأقل على توظيف الغموض كأداة سياسية لتحقيق مكاسب تكتيكية.
والمفارقة أن روسيا تُعد من أبرز المستفيدين من أي تصعيد عسكري ضد إيران، سواء من حيث تخفيف الضغط الغربي عليها في أوكرانيا، أو من خلال ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وما يترتب على ذلك من زيادة في عائدات النفط والغاز الروسي، خصوصاً في حال تعطل الملاحة في مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن التقارير الإعلامية، ومنها ما نشرته صحيفة بوليتيكو، تشير إلى أن موسكو قد تكون مستعدة للدخول في مقايضات تتعلق بالتعاون الاستخباراتي، بحيث توازن بين دعمها لإيران وبين مصالحها مع الولايات المتحدة في الملف الأوكراني، وهو ما يعكس درجة عالية من البراغماتية في إدارة تحالفاتها.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح من الصعب التعويل على الموقف الروسي كحليف ثابت أو شريك يمكن الوثوق به في المدى الاستراتيجي، إذ يبدو أن موسكو باتت تتعامل مع علاقاتها الدولية من منظور نفعي بحت، تُقدّم فيه المصلحة القومية المباشرة على أي اعتبارات أيديولوجية أو تحالفات طويلة الأمد. فروسيا اليوم لا تتردد في إعادة ترتيب أولوياتها، أو حتى التخلي عن شركائها، إذا ما وجدت في ذلك فرصة لتحقيق مكاسب أكبر أو لفتح قنوات تقارب مع خصومها.
إن ما نشهده ليس مجرد تغير في السياسات الروسية، بل تحول في فلسفة السياسة الخارجية ذاتها، حيث أصبحت البراغماتية، بكل ما تحمله من مرونة وتناقض أحياناً، هي الإطار الحاكم للسلوك الروسي. وهذا التحول يفرض على الفاعلين الإقليميين والدوليين إعادة قراءة الموقف الروسي بعيداً عن الصور النمطية القديمة، والتعامل معه كقوة تسعى إلى تعظيم مصالحها في بيئة دولية شديدة السيولة، حتى وإن كان ذلك على حساب التزاماتها السابقة أو تحالفاتها التقليدية
باحث في العلاقات الإقليمية والدولية










