مقالات

“جمهورية التوك توك”: حين يقود “مراهق” منظومة القيم في الشارع

بقلم د. قياتي عاشور
لم يعد “التوك توك” في مصر مجرد وسيلة مواصلات عشوائية أثارت الجدل، أو مركبة بثلاث عجلات تتسلل في الحواري الضيقة لتقضي مشاوير البسطاء؛ بل تحول -من منظور علم الاجتماع- إلى “فاعل اجتماعي” شرس ونافذ، نجح في وقت قياسي في إعادة تشكيل وجه الشارع المصري، بل وقلب موازين القيم في القرى والمناطق الشعبية رأساً على عقب.
إننا أمام ظاهرة يمكن وصفها بدقة بـ “تمرد الصغار الاقتصادي”. فظهور هذه المركبة خلق طبقة جديدة من المراهقين والأطفال الذين لم يبلغوا الحُلم بعد، لكنهم يملكون دخلاً يومياً يفوق دخل المدرس والمهندس والموظف الحكومي الذي أفنى عمره في التعليم. هذا الاختلال المادي العنيف وجّه ضربة قاضية لمفهوم “التعليم كسبيل للصعود الاجتماعي”. كيف نقنع طفلاً بالصبر والجلد على مقاعد الدراسة، وهو يرى قرينه “سائق التوك توك” يملك المال، والنفوذ، والحرية، ويتحرك في الشارع كملك متوج لا سلطان لأحد عليه؟. هنا، تحولت هذه الآلة الصغيرة إلى “معول هدم” لقيمة الشهادة والعمل المنظم في عيون الجيل الجديد.
والأخطر من ذلك، هو تأثير هذا “الكسب السريع” على سوق العمل الحرفي. لقد تسبب التوك توك في “موت الصنعة”؛ فالصبية الذين كانوا سابقاً يتلمذون في ورش النجارة والميكانيكا والنسيج ليتعلموا مهنة في أيديهم، هجروا الورش بحثاً عن “القرش السريع” خلف مقود التوك توك. نحن نفقد جيلاً كاملاً من الحرفيين المهرة لصالح جيل من السائقين غير المؤهلين، مما يهدد بنية الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج لا على الخدمات الهامشية.
أما على المستوى الثقافي، فقد فرض التوك توك ما يمكن تسميته بـ “ديكتاتورية الضوضاء”. لقد قام السائقون -ومعظمهم في سن المراهقة الحرجة- بفرض ذوقهم السمعي والبصري الخاص على المجال العام. أصبحت أغاني المهرجانات الصاخبة، والملصقات الغريبة التي تحمل حكماً سوقية، هي “الثقافة السائدة” التي تُجبر الأسر المحافظة على سماعها قسراً داخل بيوتهم. إنه نوع من “فرض السيطرة” والعنف الرمزي؛ حيث تفرض فئة عمرية صغيرة ثقافتها الصاخبة على المجتمع بأسره، دون مراعاة لحرمة طريق أو راحة مريض.
علاوة على ذلك، غيرت هذه المركبة من “سيكولوجية الاحترام” في الشارع. نرى الآن مشهداً عبثياً حيث يجلس رجل مسن أو سيدة وقورة في الخلف، بينما يتحكم مراهق صغير في مصيرهم وسرعتهم، وقد يسمعون منه ألفاظاً لا تليق، في انقلاب صريح لتراتبية الاحترام المعتادة في مجتمعنا.
لا يمكننا إنكار أن التوك توك قام بوظيفة حيوية في كسر عزلة القرى وتوفير فرص عمل، لكن الثمن الاجتماعي كان باهظاً. لقد خلق “دولة موازية” لها قوانينها الخاصة؛ دولة يحكمها مبدأ “السرعة والفهلوة” لا مبدأ “القانون والنظام”. وأصبحنا نرى أطفالاً يقودون مركبات تحمل أرواحاً، بلا رخصة وبلا وعي، في مشهد يهدد أمان المجتمع.
إن التعامل مع هذه الظاهرة بمنطق “المطاردة الأمنية” فقط لن يجدي نفعاً. نحن بحاجة إلى حلول اجتماعية وتشريعية تعيد دمج هؤلاء الشباب في المنظومة الرسمية، وتعيد الاعتبار لقيمة “العمل الحقيقي” و”التعليم”، لضبط هذا الانفلات قبل أن يدهس ما تبقى من قيم الانضباط واحترام الكبير في شخصية المصريين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى