بين الثقة والمسؤولية: تأملات في تجديد عضوية الأمانة العامة

بقلم د. خالد السلامي
في لحظات معيّنة من المسار المهني، لا يكون الحدث بحد ذاته هو الأهم، بل ما يفرضه من أسئلة داخلية. ماذا بعد؟ وماذا يعني هذا التكليف فعلًا؟
من هذا المنطلق، أستقبل تجديد الثقة باختياري عضوًا في الأمانة العامة للمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للعام 2026، لا بوصفه محطة احتفاء، بل باعتباره نقطة مراجعة والتزام جديد.
العمل في مجال حقوق الإنسان لم يعد ترفًا أخلاقيًا أو شعارًا نظريًا. العالم اليوم، بكل ما يشهده من اضطرابات سياسية، وصراعات مسلحة، وتحولات اجتماعية متسارعة، يضع المنظومة الحقوقية أمام اختبارات يومية قاسية. الحقوق تُنتهك أحيانًا بصمت، وأحيانًا أمام أعين الجميع، وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة إن لم تجد من يحملها بصدق ومسؤولية.
من هنا، فإن الانخراط في عمل مؤسسي حقوقي جاد يعني الاستعداد لتحمّل أعباء ثقيلة: أعباء الموقف، وأعباء الكلمة، وأعباء الاستمرارية. فليس التحدي في إصدار البيانات، بل في الحفاظ على خط مهني متزن، مستقل، قادر على الموازنة بين المبادئ والواقع، وبين المثال والقدرة على التنفيذ.
المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي يمثل، في تقديري، مساحة مهمة لهذا النوع من العمل. مساحة تحاول أن تجمع بين البعد القانوني الصارم، والبعد الإنساني الذي لا يمكن اختزاله في نصوص جامدة. وهذا ما يجعل المسؤولية مضاعفة على كل من ينتمي إلى أمانته العامة، لأن التوقعات عالية، والرهان أكبر من الأفراد.
تجديد الثقة لا يُفهم – في رأيي – باعتباره مكافأة على ما مضى، بل اختبارًا لما هو قادم. هل سننجح في تحويل التوصيات إلى سياسات؟ هل سنتمكن من بناء جسور حقيقية مع المؤسسات الدولية والإقليمية؟ هل سنبقى قريبين من الإنسان كقضية، لا كعنوان؟ أسئلة لا يجوز الهروب منها، حتى وإن كانت الإجابات عنها معقّدة أو غير مكتملة.
العمل الحقوقي، بطبيعته، عمل تراكمي. لا يحقق نتائجه بضربة واحدة، ولا يقاس أثره بزمن قصير. أحيانًا يكون الإنجاز مجرد منع انتهاك، أو تسليط ضوء على قضية منسية، أو فتح نافذة حوار كانت مغلقة. وهذه “الإنجازات الصغيرة” هي، في النهاية، ما يصنع الفارق على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال قيمة العمل الجماعي. فالمؤسسات لا تنهض بأفرادها فقط، بل بثقافة التعاون، والاختلاف المهني الصحي، وتبادل الخبرات. الأمانة العامة ليست موقعًا إداريًا بقدر ما هي فضاء للتكامل بين تجارب متعددة، وخلفيات متنوعة، يجمعها هدف واحد: خدمة الإنسان، والدفاع عن كرامته، وترسيخ سيادة القانون.
إن المرحلة المقبلة تتطلب وضوحًا في الرؤية، وصدقًا في النوايا، وجرأة محسوبة في الطرح. وتتطلب قبل ذلك كله تواضعًا مهنيًا يدرك أن طريق الحقوق طويل، وأن الخطأ وارد، وأن التعلم المستمر ليس خيارًا بل ضرورة.
أكتب هذه الكلمات لا لأعلن بداية جديدة، بل لأجدد عهدًا قديمًا: أن تبقى الكلمة مسؤولة، وأن يبقى الموقف أخلاقيًا، وأن يظل الإنسان في صميم أي عمل نقوم به، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الاعتبارات الآنية.
الثقة التي مُنحت هي أمانة. والأمانة، كما نعرف جميعًا، لا تُؤدى بالنيات الحسنة وحدها، بل بالعمل الجاد، والمتابعة، والاستعداد الدائم للمساءلة.










