أخبار العالم العربيمقالات

بعد الفشل العسكري في إيران… خطاب استعراض القوة بديلاً عن الحسم

خاص

بقلم / محمد الصالحي

في أعقاب فشل مفاوضات إسلام أباد التي جاءت بعد حرب استمرت نحو أربعين يوماً، عاد الخطاب الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليأخذ منحى تصعيدياً لافتاً، خصوصاً مع تبنيه لمبدأ “كل شيء أو لا شيء”، وما تبعه من تصريحات متناقضة ظاهرياً بشأن مضيق هرمز، بين الحديث عن فتحه أو التحكم فيه، وبين التلويح بإغلاقه. هذه التطورات في الخطاب لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام الذي يسبقها، والمتمثل في تعثر التفاوض وعدم تحقيق نتائج سياسية ملموسة بعد استخدام مكثف للأداة العسكرية خلال الحرب الأخيرة.

في هذا الإطار، يمكن مقاربة هذا النمط من الخطاب من زاوية التحليل النفسي السياسي، بالاستناد إلى قاعدة تفسيرية مفادها أن المبالغة في إظهار القوة لا تعكس دائماً حالة من التفوق المستقر، بقدر ما قد تشير إلى محاولة لتعويض ضغوط داخلية أو اختلال في القدرة على ترجمة القوة إلى نتائج سياسية حاسمة. فحين يعجز الفاعل السياسي عن تحقيق حسم واضح في الميدان أو على طاولة التفاوض، يميل في أحيان كثيرة إلى رفع مستوى الخطاب التصعيدي، وتكثيف مفردات السيطرة والهيمنة، بهدف إعادة إنتاج صورة القوة في الوعي السياسي والإعلامي، سواء لدى الخصم أو لدى الجمهور الداخلي.

من هذا المنظور، لا يبدو تبني مبدأ “كل شيء أو لا شيء” مجرد صياغة تفاوضية حادة، بل يعكس انتقالاً إلى منطق الخيارات المطلقة، وهو منطق غالباً ما يظهر في لحظات انسداد الأفق السياسي، حيث يتم استبدال التدرج والتسوية بخطاب حدّي يضيق فيه هامش المناورة. هذا النوع من الخطاب لا يهدف بالضرورة إلى توصيف الواقع بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيله نفسياً وإعلامياً، عبر فرض معادلة ثنائية صارمة: إما الخضوع الكامل أو المواجهة المفتوحة.

وفي السياق ذاته، يمكن فهم التناقض الظاهري في التصريحات المتعلقة بمضيق هرمز ضمن آلية خطابية تقوم على التبديل بين أدوار القوة والتهديد، بما يسمح بإبقاء جميع الخيارات مفتوحة في آن واحد، وإرباك حسابات الخصم حول حدود الفعل الأمريكي. فالإعلان عن القدرة على فتح المضيق أو السيطرة عليه، بالتوازي مع التلويح بإغلاقه، لا يعكس بالضرورة تناقضاً في الرؤية بقدر ما يعكس محاولة لإنتاج صورة ذهنية مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح التحكم في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

غير أن القراءة الأعمق لهذا النمط من الخطاب تشير إلى أن هذا التضخيم في إعلان السيطرة قد يكون مرتبطاً بحالة من الضغط الاستراتيجي الناتج عن الفجوة بين مستوى الخطاب السياسي ونتائج الواقع الميداني. فبعد حرب طويلة نسبياً لم تحقق حسمًا واضحاً، ثم انتقال سريع إلى مسار تفاوضي لم يفض إلى اتفاق، يصبح من الطبيعي أن يلجأ الخطاب السياسي إلى أدوات رمزية لتعويض هذا التعثر، عبر تكثيف مفردات القوة وإعادة تأكيد القدرة على الفعل حتى في لحظات التردد.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن هذا النوع من الخطاب يخدم أيضاً وظيفة ردعية وإعلامية، تهدف إلى التأثير في حسابات الطرف الآخر، ودفعه إلى إعادة تقييم كلفة المواجهة أو التصعيد. إلا أن خطورة هذا النمط تكمن في أنه قد يرفع مستوى التوقعات والالتزامات المعلنة، بما يجعل أي تراجع أو تسوية لاحقة أكثر تعقيداً سياسياً وإعلامياً.

وبالربط بين هذه العناصر، يمكن القول إن المشهد الحالي يعكس حالة من عدم الاستقرار في تحويل الأدوات العسكرية والسياسية إلى نتائج نهائية قابلة للتثبيت، وهو ما يفتح المجال أمام تصعيد خطابي متزايد، يتخذ من المبالغة في إظهار القوة وسيلة لإعادة ضبط ميزان الإدراك، أكثر مما يعكس قوة مستقرة قادرة على فرض الحسم.

وفي هذا السياق، فإن ما يظهر في خطاب ترامب لا يمكن اختزاله في كونه مجرد تناقض أو انفعال سياسي، بل يمكن قراءته ضمن نمط أوسع من إدارة القوة في لحظات الضغط، حيث تصبح اللغة أداة لتعويض تعثر الفعل، وإعادة صياغة صورة السيطرة في مواجهة واقع أكثر تعقيداً وتشابكاً، الأمر الذي يجعل هذا النوع من الخطاب عاملاً إضافياً في رفع منسوب التوتر الإقليمي، لا مجرد توصيف له.

باحث يمني في العلاقات الإقليمية والدولية
[20:06, 12/04/2026] محمد رياض: خاص للموقع

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى