أخبار العالم العربي

القطاع الخاص بين تمويل الدولة واختناق المنظومة الجبائية: قراءة في اختلالات الاقتصاد التونسي

يمثّل القطاع الخاص في تونس العمود الفقري لتمويل الميزانية العمومية، غير أنّ هذا الدور الحيوي ظلّ يُدار بمنطق اختزالي يقوم على تحميل نفس الفئة من المؤسسات عبئًا جبائيًا متزايدًا، في مقابل قاعدة ضريبية ضيقة ومشوّهة، وهو ما يهدّد استدامة المالية العمومية نفسها.

فبحسب تقرير المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، لا يكمن التحدي الاقتصادي الحقيقي في زيادة الضغط الجبائي على القطاع الخاص المنظم، بل في إعادة بناء التشخيص الاقتصادي، وتصحيح الاختلالات الإحصائية التي أفرزت سياسات جبائية قصيرة النفس، قائمة على عدد محدود من الفاعلين المهيكلين.

قاعدة جبائية ضيقة… رغم تضخّم عدد المؤسسات

تُظهر المعطيات الرسمية أنّ النسيج الاقتصادي التونسي يضم أكثر من 800 ألف مؤسسة، غير أنّ هذه الصورة الرقمية تخفي واقعًا مغايرًا؛ إذ لا يتجاوز عدد الشركات المسجّلة والنشطة جبائيًا 170 ألف شركة، فيما لا يزيد عدد المؤسسات التي تقدّم تقاريرها الجبائية بانتظام عن 103 آلاف فقط.

الأهم من ذلك، أن ما يقارب 87.5% من هذه المؤسسات لا تشغّل أجراء، وتعتمد أساسًا على العمل الحر والعمل المستقل، بينما لا تمثل المؤسسات المشغّلة سوى 12.5% من إجمالي الوحدات الاقتصادية. هذا الخلل البنيوي يفسّر ضيق القاعدة الجبائية، ويُبرز محدودية الرهان على الأرقام الخام دون تحليل نوعي لمستوى الإنتاج والقيمة المضافة.

مفارقة الإنتاج والجباية

رغم محدودية عددها، تضطلع الشركات الخاصة المنظمة بدور حاسم في الاقتصاد الوطني، إذ تساهم بنحو 43% من مواطن الشغل، و59% من القيمة المضافة، وما يقارب 80% من إجمالي الاستثمار، فضلًا عن مساهمتها بالنصيب الأكبر من الإيرادات الجبائية.

غير أنّ هذا التركّز في المساهمة خلق مفارقة خطيرة: فالمؤسسات الأكثر التزامًا وتنظيمًا هي نفسها الأكثر استهدافًا جبائيًا، في حين يظل جزء واسع من النشاط الاقتصادي خارج المنظومة الرسمية، بما يعمّق عدم العدالة الضريبية ويقوّض مناخ الاستثمار.

القطاع غير المنظم: نتيجة لا سبب

يفيد التقرير بأن استمرار الضغط الجبائي على المؤسسات المهيكلة لا يساهم في تقليص القطاع غير المنظم، بل على العكس، يشجّع على توسّعه، ويُضعف حوافز الاندماج في الاقتصاد الرسمي. ومع مرور الوقت، يؤدّي هذا المسار إلى تآكل تدريجي للقاعدة الخاضعة للضريبة، ويُفرغ أي إصلاح جبائي من محتواه.

بذلك، يصبح القطاع غير المنظم نتيجة مباشرة لاختلال السياسات الجبائية، لا مجرّد ظاهرة هامشية أو ظرفية.

المؤسسات العمومية: عبء هيكلي على المالية العامة

في مقابل الدور التمويلي الكبير للقطاع الخاص، تواصل المؤسسات العمومية ممارسة ضغط متزايد على الميزانية. فرغم طابعها الاستراتيجي، تتجاوز التحويلات العمومية التي تتلقاها العائدات التي تحققها لفائدة الدولة، مع تسجيل عجز سنوي يُقدّر بـ2.3 مليار دينار، أي ما يعادل 22% من إجمالي عجز الميزانية.

هذا الوضع يعكس خللًا هيكليًا في توزيع الأعباء بين القطاعين العام والخاص، ويطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة الحوكمة العمومية، وجدوى استمرار نماذج تسيير تثقل كاهل المالية العامة دون مردودية اقتصادية متناسبة.

نحو إعادة توجيه السياسات الاقتصادية

انطلاقًا من هذا التشخيص، يدعو المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى إعادة توجيه السياسات الاقتصادية حول ثلاث أولويات مترابطة:
أولًا، توسيع القاعدة الجبائية عبر إدماج الأنشطة غير الرسمية، خاصة المشاريع متناهية الصغر، في إطار مقاربة تحفيزية لا عقابية.
ثانيًا، دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة بوصفها المحرّك الحقيقي للتشغيل والقيمة المضافة، لا مجرّد خزّان جبائي.
ثالثًا، الشروع في إصلاح عميق للمؤسسات العمومية يخفّف العبء عن الميزانية ويعيد التوازن للمالية العمومية.

الخلاصة: إصلاح على قاعدة سليمة أو لا إصلاح

يخلص التقرير إلى أن أي إصلاح مالي أو ميزاني لا يمكن أن ينجح إذا استند إلى قاعدة جبائية ضيقة، غير عادلة، وهشّة. فمواصلة تحميل القطاع الخاص المنظم العبء الأكبر، دون تصحيح التشخيص الإحصائي ودون إدماج فعلي للاقتصاد غير المنظم، تمثّل مخاطرة اقتصادية كبرى تهدّد الاستثمار والنمو والاستقرار المالي.

إنّ إعادة التوازن الجبائي لم تعد خيارًا تقنيًا، بل ضرورة اقتصادية وسياسية لضمان استدامة الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى