أخبار العالم العربي

الاحتفال باليوم العالمي للمرأة: استثمار في مستقبل الأسرة والمجتمع

دكتورة : عقيلة بالطيب

يمثل الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل سنة محطة رمزية هامة للتذكير بنضالات المرأة عبر التاريخ

من أجل نيل حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقد جاء هذا اليوم تتويجاً لمسار طويل من الحركات النسوية والعمالية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين، والتي طالبت بتحسين ظروف العمل، وتحقيق المساواة، والاعتراف بالدور الحيوي للمرأة في المجتمع.
وفي سنة 1977 اعترفت الأمم المتحدة رسمياً بهذا اليوم ليصبح مناسبة عالمية للاحتفاء بإنجازات النساء والفتيات والدعوة إلى مزيد تعزيز حقوقهن ومشاركتهن في مسارات التنمية.
غير أن هذا الاحتفال لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد حركة رمزية أو مناسبة احتفالية عابرة، بل هو في جوهره فرصة لإعادة التفكير في المكانة الحقيقية للمرأة داخل المجتمع، وإبراز الأبعاد العميقة لدورها في تحقيق التوازن الاجتماعي والأسري. فالاحتفاء بالمرأة لا يقتصر على تكريمها بعبارات الثناء، بل يتجاوز ذلك إلى الاعتراف بمكانتها كفاعل أساسي في بناء الإنسان وتشكيل ملامح المجتمع.
فالمرأة تُعد الركيزة الأولى داخل الأسرة، وهي الفاعل الأساسي في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء. ومن خلال دورها التربوي والثقافي تسهم في غرس القيم الأخلاقية والإنسانية لدى الأطفال، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على نوعية الأجيال التي ستقود المجتمعات في المستقبل. فالطفل الذي ينشأ في بيئة أسرية متوازنة، تقودها امرأة واعية ومتعلمة، يكون أكثر توازن و قدرة على التفاعل الإيجابي مع محيطه الاجتماعي وعلى الإسهام في بناء مجتمع متماسك.
كما تضطلع المرأة بدور مهم في إدارة الحياة اليومية داخل الأسرة، فهي المسؤولة في كثير من الأحيان عن تنظيم الموارد وتدبير شؤون المنزل، وترشيد الاستهلاك والانفاق ، والمحافظة على التوازن العاطفي والاجتماعي داخل الأسرة. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن تمكين المرأة علمياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعيا لا يمثل مطلباً فردياً فحسب، بل هو ضرورة اجتماعية تساهم في تحقيق الاستقرار الأسري والمجتمع .
وفي السياق التونسي، شهدت المرأة مساراً متميزاً في مجال الحقوق والمشاركة الاجتماعية، خاصة منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، الذي شكل نقطة تحول تاريخية في مسار حقوق المرأة في تونس. وقد ساهم هذا الإطار القانوني في تعزيز حضور المرأة في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، مما جعل التجربة التونسية تُعد من التجارب الرائدة في العالم العربي في مجال دعم مكانة المرأة.
ومع ذلك، ما تزال بعض الأصوات الرجالية ترى أن الاحتفال بالمرأة لا يحمل قيمة حقيقية، وتعتبره مجرد تقليد اجتماعي لا يغير من واقعنا شيئاً. غير أن هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الاعتراف بدور المرأة ليس مجرد مجاملة رمزية، بل هو إدراك عميق لأهمية دورها في استقرار الأسرة وتماسك المجتمع. فالاهتمام بالمرأة هو في جوهره اهتمام ببناء الشخصية التونسية ، لأن المرأة تمثل المدرسة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الطفل وادراكه بقيمة المواطنة الحقيقية وشخصيته وقيمه.
وإذا أهملت المرأة، في السياسات العامة وكذلك أهملت من قبل الاولياء والشريك فإن ذلك لا يؤدي الى تهميش المرأة فقط ، بل في ذلك تهميش أيضاً لقيم الأسرة. ففي غياب المرأة المتوازنة، يصبح الأطفال أكثر عرضة للاضطراب النفسي، للفشل الدراسي، وحتى للانحراف والجنوح. وهكذا، فإن تفكك الأسرة يؤدي إلى انهيار القيم ويجعل المجتمع أكثر عرضة لمشاكل لا حصر لها.”

وعليه فإن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة يجب أن يُفهم باعتباره استثماراً في مستقبل الأسرة والمجتمع، لأنه يسلط الضوء على ضرورة دعم المرأة وتمكينها حتى تتمكن من أداء دورها الكامل في بناء الأجيال القادمة. فالمجتمع الذي يقدر المرأة ويعترف بمكانتها هو مجتمع يضع الأسس السليمة للتنمية والاستقرار ولان امرأة متوازنة تساوى أسرة متوازنة .
إن الاحتفاء بالمرأة لا ينبغي أن يظل مجرد خطاب احتفالي، بل يجب أن يتحول الى دعوة لإعادة التوازن في الأسرة والمجتمع وإلى وعي مجتمعي يقر بأن دعم المرأة هو دعم للأسرة، وأن استقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع. فحين نحافظ على مكانة المرأة ونوفر لها الظروف الملائمة للقيام بدورها التربوي والاجتماعي، فإننا في الحقيقة نؤسس لمستقبل أكثر توازناً وإنسانية.
وبذلك يصبح اليوم العالمي للمرأة مناسبة للتأمل في أدوارها العميقة في بناء المجتمع، وفرصة لتجديد الالتزام الجماعي من هياكل المجتمع المدني والمؤسسات العمومية والخاصة بدعمها وتمكينها، باعتبارها حجر الأساس في تنشئة الأجيال وصناعة المستقبل. بل هو دعوة لإعادة التوازن في الأسرة والمجتمع
فحين نقدر المرأة ونمكنها من دورها، نؤسس لمستقبل أكثر توازناً، وأجيال أكثر قدرة على النجاح. فلنصنع معاً مجتمعاً يقوم على العدالة ويرى في المرأة شريكاً أساسياً في البناء والتشييد . ، وكل عام والمرأة بخير رمز للعطاء والقوة والإبداع.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى