
الإنتاجية ليست مجرد رقم في تقارير اقتصادية، ولا مؤشرًا تقنيًا يُقاس بالجداول والإحصاءات فقط. الإنتاجية روح أمة، ومرآة ثقتها في نفسها، ومحصلة علاقتها بالعمل والقانون والعدالة.
لا يمكن الحديث عن إنتاجية حقيقية دون بيئة عمل كريمة. فالموظف ليس آلة، والعامل ليس رقمًا في كشف الرواتب. الإنسان هو محور العملية الإنتاجية، وطاقته لا تُستخرج بالإكراه، بل تُحفّز بالكرامة.
أول شروط الإنتاجية أن تتوفر للعامل ظروف حسنة شكلًا ومضمونًا:
قوانين ضامنة للقيم والأخلاق، حماية اجتماعية حقيقية، تكوين مستمر، تدريب وتطوير، ومحيط عملي راقٍ يحفظ الكرامة. فكما أن السيارة لا تتحرك دون وقود، لا يمكن للإنسان أن يُنتج دون طاقة معنوية ومادية. والأمان لا يُصنع بلا استقرار.
الأجر ليس منّة، بل هو وقود الإنتاج. حين يكون الأجر عادلاً، يصبح العامل أكثر التزامًا، وأكثر إبداعًا، وأكثر انتماءً. أما حين تتآكل القدرة الشرائية، فإن الحماس يتراجع، والإنتاجية تنخفض، ويتسلل الإحباط إلى النفوس.
لقد عرفت تونس في السنوات الماضية تحولات عميقة. تغيّرت أشياء كثيرة، ومرت البلاد بفترات اضطراب وصعوبات اقتصادية، وسط معركة معلنة ضد الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة وأثقل كاهل المجتمع. ورغم أن الحرب على الفساد كانت ضرورية، فإن آثار سنوات الفوضى ما زالت تلقي بظلالها على الواقع اليومي للتونسيين.
اليوم يعيش المواطن صعوبات متعددة، لكن الأمل لا يزال قائمًا فيما يمكن أن تتخذه الدولة من إجراءات وتشريعات تعيد الثقة وتحرّك عجلة الإنتاج. ومن بين هذه الإجراءات ما يتعلق برفع أجور العمال في القطاعين العام والخاص، وكذلك أجور المتقاعدين. إنه ملف ينتظره المواطنون بفارغ الصبر، بعد سنوات من الصبر والضغط المعيشي.
رفع الأجور بشكل عادل ومجزي لا يعني فقط تحسين الدخل، بل يعني إعادة التوازن النفسي والاجتماعي، وقطع الطريق أمام الإحباط، وإفشال كل من يراهن على إنهاك الدولة وإرباك مؤسساتها. حين يستعيد العامل حقه في أجر يحفظ كرامته، يستعيد في الوقت ذاته رغبته في الإنتاج، وإيمانه بجدوى الجهد.
السؤال الجوهري اليوم: هل يمكن أن تستعيد تونس إنتاجيتها عبر تشريع ذكي يعيد الاعتبار للعمل؟
الجواب يبدأ من الإرادة السياسية، ومن رؤية تعتبر أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحًا.
تونس بلد الثروة، لا بمواردها فقط، بل بطاقات أبنائها. وإذا أفاق أهلها من صراع الاستنزاف، وتوحدت الجهود نحو هدف واحد هو الإنتاج، فإن الموازين يمكن أن تتغير. فجرّة قلم مسؤولة، وتشريع مدروس، وسياسة أجور عادلة، قد تكون الشرارة التي يعاد بها تشغيل قطار الإنتاج.
لنبدأ الآن.
تونس تستحق الأفضل، وأبناؤها قادرون على صنعه.










