«إسرائيل» ووديعة عملائها في لبنان: إلى متى؟!

د. عدنان منصور*
من يتتبّع الحياة السياسية في السنتين الأخيرتين في لبنان، قبيل وبعد اتفاق وقف إطلاق النار يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، الذي لم تلتزم به “إسرائيل” أساساً، ويراقب مواقف العديد من مسؤولين وسياسيين، وإعلاميين، وقادة أحزاب وناشطين، ومحللين، ومنظرين حيال ما يجري في لبنان من اعتداءات إسرائيلية خطيرة تطال في الصميم سيادته، ومصيره، ووحدة أرضه وشعبه، نجد على الساحة السياسية اللبنانية جماعات منحرفة، ارتضت أن تكون وديعة، وأداة، واحتياطاً استراتيجياً لسياسات واشنطن وتل أبيب!
هؤلاء يهلّلون ويبرّرون للعدو بكلّ سفالة، وانعدام أخلاقي، عدوانه وجرائمه ضدّ الإنسانية، ويكشفون على الملأ عن حقدهم وانحرافهم، وخيانتهم للوطن والشعب. لكن، هل يعي هؤلاء الذين تخلّوا عن مسؤوليتهم الوطنية، خطورة العدوان والاحتلال، وتداعياته المدمّرة على الوطن والشعب؟! إلى متى سيظلّ هؤلاء يسبحون عكس التيار، أسيري الحسابات الضيقة الخاطئة، والمصالح الشخصية، وهم يرتمون في أحضان القوى الغربية، والتعلق بها طمعاً بموقع، أو استجداء لمنصب، أو الظفر بزعامة أو بمصالح شخصية؟!
عندما يقع الوطن تحت نير الاحتلال، تترتب على حكامه وشعبه، مهمة تحريره بأيّ شكل من الأشكال. في هذه الحال يصبح الجميع معنيين بالمهمة العليا التي تقع على عاتقهم. إذ لا مجال عندئذ للاجتهاد والتنظير، والتراشق بالاتهامات المتبادلة، والمزايدات الفارغة، والانبطاح أمام العدو، والاستسلام له. إما أن يكون هؤلاء مع تحرير الوطن، وإما أن يكونوا احتياطاً للعدو المحتلّ، وطابوراً ثالثاً ورابعاً وخامساً له.
عند مواجهة الاحتلال، تسقط الخلافات، وتوضع النظريات، والخصومات والعداوات السياسية جانباً، لأنّ الجميع على مركب واحد، إذا ما تعرّض لعطب خطير، وطاقم المركب في جدال عقيم حول كيفية إنقاذه، سيؤدي ذلك إلى غرق المركب، ليغوص بكلّ ما فيه في قاع المحيط.
أن يكون بلد ما، كلبنان تحت العدوان الإسرائيلي المستمر، وجزء من أرضه تحت الاحتلال، ثم تعلو فيه أصوات ناشزة مشبوهة من هنا وهناك، تغازل العدو، تدفعه، تحرّضه علناً بكلّ سفالة وخيانة موصوفة، تبرّر أفعاله وتصطف إلى جانبه، كيداً، وحقداً، وكراهية بالذين يدافعون عن أرضهم بكرامة وشرف، وتشجّعه على الاستمرار بعدوانه، فهذا جنون مطبق، وخيانة عظمى ما بعدها خيانة تلحق بهؤلاء.
كيف يمكن لنائب لبناني، شاذ في فكره وعقله،عديم الشرف والوطنية، وبلده تحت العدوان والاحتلال، يصف بكلّ وقاحة، وعهر ما بعده عهر، جيش العدو الإسرائيلي بأنه الأكثر “إنسانيّة” من أيّ جيش في العالم، ليتلقّى بعد ذلك نائب العار، إشادة من الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال؟! لم تشهد برلمانات العالم كلها حالة يشيد فيها نائب بجيش عدو لبلده، يحتلّ أرضه، ويقتل شعبه إلا في لبنان!
بلدان عديدة تعرّضت للاحتلال خلال مسيرة تاريخها الطويل، فهل وجدنا شعباً يقف جزء منه مع المحتلّ لأراضيه؟! عندما يتعرّض وطن ما لعدوان خارجيّ، يهبّ الشعب كله، ويقف وقفة واحدة للدفاع عنه، والاستماتة من أجله.
أثناء الغزو النازي واحتلاله لفرنسا، هل وقف ابن مرسيليا، أو ليون أو بوردو، أو غيرها، موقف الشامت، المتفرّج، المتواطئ مع العدو، أم أنه انطلق بمقاومة عنيدة شرسة للدفاع عن بلده لدحر الاحتلال النازي؟! هل انقسم الجزائريون، والمصريون، والروس، والفيتناميون، والهنود، والصينيون، والأميركيون اللاتينيون، وغيرهم من الشعوب الحية، عندما انتفضوا لتحرير بلدانهم من الاحتلال الخارجي، أم أنهم وقفوا وقفة واحدة، وانطلقوا جميعاً لتحرير الوطن والإنسان؟!
لماذا تشكل شريحة من اللبنانيين ظاهرة بشعة، فريدة، عجيبة من نوعها في علاقاتهم، وتعاطيهم مع الشقيق، أو الصديق، أو العدو، بحيث لا يميّزون فعلاً بين الشقيق والعدو، وبين جيش الاحتلال والمقاوم له، بذلك يصبحون عمي البصيرة، على شاكلة النائب الحقير، ويغدو عندهم الشقيق عدواً لدوداً، والعدو صديقاً حليفاً!
إذا كان اللبنانيّون لا يتفقون على كتابة تاريخ موحد عن بلدهم، فكيف يمكن لهم حماية وطنهم وصون سيادته، ووحدة شعبه، في ظلّ أصوات ومواقف، وتصريحات، وتعليقات، وتغريدات مخيفة معيبة ومقززة، بعيدة كلّ البعد عن روح المسؤولية والقيَم الوطنية العليا، والشعور الأخوي الإنساني. في حين يصعب على المراقب، أو المتتبّع للشأن اللبناني، معرفة ما إذا كانت مواقف هؤلاء، وتصريحاتهم، وتغريداتهم صادرة من لبنان أو من تل أبيب!
لصالح مَن، وفي خدمة مَن، ومِن أجل مَن، تصبّ حملات الحقد الأسود، والكراهيّة، والشماتة، والتحريض على شريحة واسعة من أبناء الوطن؟! هل تحصّن هذه الأبواق المتطرّفة الهدامة لبنان، وتعزّز في المقابل سائر المكونات الوطنية الأخرى، في وجودها، ووحدتها، وعيشها الواحد على الساحة اللبنانية، وتوفر لها الأمان والاستقرار؟! ألا تعرّض هذه الأبواق لبنان لمخاطر وهزات عنيفة لا تصبّ في صالحه، في وقت يشهد لبنان عدواناً إسرائيلياً متوحشاً، مستمراً ومدمراً، يحمل في داخله أحلاماً توراتية توسعية، لم تتوقف “إسرائيل” عن المجاهرة بها، والعمل على تنفيذها على الأرض!
إلى متى هذا العداء السافر، وهذه الكراهيّة المتجذرة في نفوس شريحة من اللبنانيين من مختلف الطوائف دون استثناء، المقامرين بلبنان، المشبوهة مواقفهم، المرتهنين دون تحفظ للخارج، والداعمين للعدو سراً وعلانية؟! لنسأل بصراحة تامة: لماذا يتمنّى البعض في لبنان جلب العدو ونصرته على إبن وطنه، وتبرير أفعاله؟
لماذا يغضّ البعض النظر عن تعمّد فاضح، إزاء ما يقوم به العدو من تدمير، وقتل، وتهجير، ويلتزم الصمت، كصمت “أبو الهول”، دون أن يرفّ له جفن، أو يبدي القليل القليل من الحسّ الإنساني، والشعور الوطني، ومن “المحبة” الحقيقيّة، تجاه من يتقاسم معهم الوطن والأرض والأمل والمستقبل؟! بأيّ منطق، وضمير، وشرف، وأخلاق، يشجّع مسؤول، أو سياسيّ، أو ناشط، أو إعلامي، أو كاتب، أو “منظّر” في لبنان، العدو بصورة مباشرة وغير مباشرة، وبخبث شديد على الاستمرار في عدوانه، وتكثيف اعتداءاته على اللبنانيّين، متمنياً من أعماق قلبه، أن يسجّل العدو انتصاراً ساحقاً على مَن يقاوم الاحتلال، وهذا على مسمع من أركان الدولة العليّة التي تعيش على كوكب آخر؟!
لماذا يظرّف هؤلاء القاتل، ويشمتون بالضحية، لتظهر نشوتهم الواسعة على صفحات وجوههم الصفر، وفي مفردات كتاباتهم، وتغريداتهم، وعلى شاشات التلفزة، والمنصات الإعلامية في كلّ مرة يقوم فيها العدو بجرائم قتل، ودمار، وتهجير بحق أبناء المدن والقرى؟! لماذا نرى ونلمس نشوة الخيانة والتشفّي على جبين من آثروا الولاء الشديد والانبطاح للإمبراطورية المستبدّة، ولدولة الاحتلال الإسرائيلية؟!
هل يتعلم المزيّفون و”الغيارى” على لبنان، من يائير لابيد زعيم المعارضة الإسرائيلية الشرس، الذي صرّح قبل ثلاثة أيام من العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي الأخير على إيران قائلاً: “في حال اندلاع حرب مع إيران، ستتوقف الحياة السياسية في “إسرائيل”، وسنقف صفاً واحداً خلف الحكومة والجيش. أودّ توجيه رسالة واضحة لأعدائنا، بغضّ النظر عمّن يتولى السلطة، أن “إسرائيل” ستدافع دائماً عن نفسها. سأضع ونتنياهو خلافاتنا جانباً، وستتّحد “إسرائيل” خلف جنودنا وطيارينا”!
لهذه الشريحة من المتماهين مع العدو نقول: اتعظوا ولا تراهنوا على الخارج، واحتضانه المؤقت لكم. علاقتكم به، كعلاقة العبد بسيده، عند أول مفترق طريق سيلفظكم، ويدوسكم بأقدامه، مثلما فعل مع أمثالكم من قبل، عندما انتهى من مهمته معهم !
ماذا عن دور الحكومة في ملاحقة هؤلاء، وعجزها في الدفاع عن حقها في مجلس الأمن، وهي تنأى بنفسها عن استخدام حق الردّ على مزاعم وأكاذيب مندوب كيان الاحتلال، لنراها اليوم مُصرّة على التزام صمت المومياوات عن سابق تصوّر وتصميم، وراضية أن يكون موقف لبنان، أبكم، ضعيفاً، وذليلاً أمام مندوبي 15 دولة داخل مجلس الأمن.
الحكومة التي تعجز عن قول كلمة حق في مجلس الأمن، لا خير منها في تطبيق القوانين الجزائيّة ذات الصلة بملاحقة العملاء، وخونة الوطن، والمطبّلين للعدو، والمروّجين للتطبيع معه، والمدافعين عنه، والعاملين على استجلابه إليهم !
هل من مسؤول في السلطتين التنفيذية والقضائية في هذه الدولة التعيسة، يجرؤ على تطبيق القوانين الرادعة بحق الذين يدافعون ويبرّرون علناً اعتداءات “إسرائيل”، ويظهرون “إنسانيتها” ويبدون غيرتهم تجاهها؟! مَن يستطيع أن يحاكم إعلامياً فاجراً يجاهر بعمالته، أو نائباً يغازل العدو علناً، ويعطيه الحق في ما يفعله؟! شتان بين عاشق للسلطة والمناصب، والمدافع عن كرامة الوطن وهويته، وذاكرته، ووجوده.
وحدهم الأحرار الشرفاء، يستميتون في الدفاع عنه بالروح والدم والدموع، ما دام فيهم عرق ينبض، وإنْ تكالبت عليهم ذئاب العالم أجمع. أما مقامرو الوطن وخونته، الذين يراهنون على فرعون العالم وذنبه، لم يأخذوا العبرة بعد، ولم يتعظوا مما جرى حولهم!
لهؤلاء يوم موعود، ولن يفلتوا من العقاب العسير. وإنّ غداً لناظره قريب…
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق










