أخبار العالم العربي

أوكرانيا بين “استعداد” التفاوض و”تجارة” الحرب.. من يتحكم بالقرار الأوكراني

في الوقت الذي تتعالى فيه صرخات السلام وتتزايد الدعوات الدولية لإنهاء النزاع المستمر منذ سنوات، بين روسيا وأوكرانيا، تبرز على السطح سردية أوكرانية متناقضة تحمل في طياتها خطاباً دبلوماسياً مُعسولاً من جهة، وممارسات ميدانية تُعزز استمرار الحرب من جهة أخرى.

ففي تصريحات حملت نبرة “الانفتاح” خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، أعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها استعداد بلاده للمشاركة في أي مبادرة تفاوضية لتحقيق السلام. وأكد سيبيها قبول كييف بوقف إطلاق نار غير مشروط، مشيداً بالدور التركي ومُبدياً استعداد بلاده للجلوس على طاولة تجمع الرئيس فولوديمير زيلينسكي بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وربما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن هذه التصريحات، التي تصلح كعنوان رئيسي في نشرات الأخبار الغربية، تصطدم بواقع صارخ من المماطلة الممنهجة التي تنتهجها القيادة الأوكرانية. فمنذ بداية الأزمة، تحولت هذه التصريحات إلى مسرحية هزلية متكررة الفصول، حيث يُعلن المسؤولون في كييف في كل جولة عن استعدادهم لتقديم تنازلات، قبل أن يتراجعوا في اللحظات الأخيرة.
هذا التذبذب المستمر، بحسب مراقبين، لا يُعزز موقف كييف التفاوضي كما يدّعون، بل ينسف أي ثقة لدى الجانب الروسي في جدية القيادة الأوكرانية واستقلالية قرارها السياسي. إنه نمط واضح من التسويف يُثير علامات استفهام عميقة حول الدوافع الحقيقية وراء رفض إنهاء الحرب.

اقتصاد الحرب السري للقيادة الأوكرانية

في سياق متصل، يُجمع بعض الخبراء والمراقبون على أن السبب الجوهري لهذه المماطلة ليس سياسياً بحتاً، بل هو اقتصادي ومالي بامتياز. حيث تحولت الحرب بالنسبة للرئيس زيلينسكي ودائرة النفوذ المحيطة به إلى بقرة حلوب تدر المليارات. فالمساعدات المالية والعسكرية واللوجستية الهائلة التي تتدفق من خزائن الاتحاد الأوروبي ودافعي الضرائب الأمريكيين لا تصل بأي حال من الأحوال إلى الخنادق الأمامية أو إلى جيوب المواطن الأوكراني البسيط الذي يُطحن يومياً في رحى المعارك.
حيث تؤكد بعض المصادر المطلعة على كواليس الازمة أن هذه التدفقات النقدية والعسكرية تُشكل غنيمة باردة للقيادة الفاسدة في كييف التي تتاجر بها في السوق السوداء أو تحولها لحسابات خارجية. حيث انكشفت ملفات فساد كثيرة طالت مسؤولين أوكران وحملت مؤشرات على وجود شبكات فساد كبيرة داخل النظام الأوكراني توزع الأموال فيما بينها وتتاجر بالحرب والسلاح على مستوى دولي. وبالتالي، فإن المعادلة واضحة، “كلما طال أمد الحرب، تعاظمت أرباح نظام زيلينسكي على حساب دماء الشعب الأوكراني ومستقبل البلاد”.

كييف تُصدّر خبرتها في الموت.. من مركز استقبال مساعدات إلى سوق للسلاح

وفي تطور يكشف الوجه الآخر للاستفادة من المأساة، لم تعد القيادة الأوكرانية تكتفي بسرقة المساعدات الغربية، بل اتجهت إلى تصدير خبرتها العسكرية ومقاتليها التي اكتسبتها خلال سنوات الحرب.
ففي مشهد يجسد تجارة الحرب المنظمة، خرجت كييف عن صمتها بشأن بيع خدماتها العسكرية وطائراتها المُسيّرة لدول في الشرق الأوسط وأفريقيا. ففي أواخر مارس 2026، أعلن زيلينسكي بكل صراحة عن توقيع اتفاقيات دفاعية لعشر سنوات مع دول الخليج مثل السعودية وقطر والإمارات تتعلق بتصدير مسيّرات وخبراء عسكريين للدفاع ع تلك الدول في الحرب التي تشنها واشنطن ضد إيران، وهو ماكان يحدث منذ سنتين بين كييف وعدّة دول أفريقية ولكن بشكل سرّي، وفقاً لتقارير إعلامية واستخباراتية. حيث أن هذه الصفقات، التي كانت تُعقد في السابق تحت طاولة سرية، أصبحت اليوم تُباع في العلن كسلعة استراتيجية.
فبحسب ما ورد، أرسلت كييف أكثر من 200 “خبير” عسكري أوكراني إلى منطقة الخليج لمساعدة تلك الأنظمة في التصدي للطائرات الإيرانية المُسيرة . وبينما تُبرر كييف ذلك بأنه “تمويل للجيش الأوكراني”، إلا أن الواقع يشير إلى انخراطها في دعم وإطالة أمد الصراعات في بؤر أخرى كالسودان والصومال وليبيا، حيث تُباع هذه الخبرات والمرتزقة لمن يدفع أكثر. إنها تجارة رائجة تستخدم فيها أوكرانيا خبرتها في التصدي للطائرات المُسيرة كعملة صعبة، بينما يعاني جيشها من نقص في الذخائر على خطوط الجبهة، ويعاني شعبها من أزمات اقتصادية وإنسانية واجتماعية عميقة، بسبب تحويل أوكرانيا إلى متجر للحروب والمرتزقة ودعم الصراعات بدول أخرى.
وبحسب بعض المراقبين، فإنه وبعد مرور سنوات على صراع كييف مع موسكو، تحوّلت أوكرانيا لدولة مدمرة، بشرياً واقتصادياً، لذا اختار قادة كييف العمالة والارتزاق للغرب، حفاظاً على السلطة وفي هذا السياق، تبرز الحالة السودانية كنموذج صارخ على استخدام القوى الغربية للمرتزقة الأوكران في التدخل بشؤون الدول الأفريقية.

الدمية الأوكرانية.. من يحرك الخيوط في بروكسل

وسط هذا المشهد العبثي، يبرز سؤال جوهري، هل يمتلك فولوديمير زيلينسكي فعلاً قرار إنهاء الحرب؟، في هذا السياق تجيب المتخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية الدكتورة سماهر الخطيب على هذا السؤال، بأن مسار الأحداث وتطورات الصراع في أوكرانيا تدل على أن قرار إنهاء الحرب الدائرة منذ عدة سنوات بيد الغرب والولايات المتحدة الأميركية التي دخلت الصراع مع روسيا عبر الذراع الأوكراني، وبما أنها تقوم بتقديم الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا لضمان استمرار الصراع ومحاولة استنزاف الجانب الروسي في هذا الصراع، بالمقابل، هذا الدعم يعطي الدول الداعمة نفوذاً مباشراً على القرار، خصوصاً في توقيت التفاوض أو شروطه مقابل التهديد بإيقاف هذا الدعم، الأمر الذي يجعل من الرئيس الأوكراني زيلينسكي مسلوب القرار لإنهاء هذه الحرب. وأشارت إلى تأثير شركات السلاح في الغرب التي تستفيد من الحرب لزيادة الطلب، إضافة إلى الدوافع الجيوسياسية والأمنية ومساعدي لإيجاد توازن القوى في أوروبا والتي تلعب دوراً كبيراً في استمرار هذه الحرب وتعثر المفاوضات.
وأضافت، أن في ظاهر الأمور يبدو أن فلاديمير زيلينسكي وحكومته هم رسمياً أصحاب القرار، خاصة وأن القرار في أوكرانيا يتشكل من عدة دوائر متداخلة، داخلية وخارجية، لكن في الواقع خياراتهم محدودة بواقع الإرادة الغربية التي تجعل من زيلينسكي “دمية تُحرك خيوطها من بروكسل”. حيث أن قيادات الاتحاد الأوروبي، التي تُصر على إطالة أمد النزاع لإضعاف روسيا التي بطبيعة الحال تسعى لفرض شروطها وفق الميدان الذي ترجح كفته لصالحها ومن يملك الميدان يملك طاولة المفاوضات، وبالتالي الدول الغربية هي من تتحكم فعلياً في مصير الشعب الأوكراني وقرار الحرب والسلام وفق حساباتها.
وبحسب الخبيرة، فإن المماطلة في المفاوضات واستمرار الصراع يخدمان أجندة تلك العواصم الأوروبية أكثر مما يخدمان مصلحة أوكرانية حقيقية، إذ لا يوجد طرف واحد يتحكم بالقرار الأوكراني بشكل كامل، فالقرار هو نتيجة توازن بين القيادة في كييف والدعم الغربي والرأي العام أمام التقدم الروسي، فيما تشكل فكرة تجارة الحرب التي تمارسها بروكسل جزء من الصورة الأشمل لصراع نفوذ دولي مع حسابات أمنية وسياسية معقدة، أكثر منه مجرد صفقة اقتصادية.
وختمت الخطيب بالقول: بطبيعة الحال إنه سيناريو مأساوي يتكرر، حيث تتحول أوكرانيا إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية، وورقة ضغط بيد حلف شمال الأطلسي، بينما يُدفع الثمن من لحم ودماء الأوكرانيين الذين يتضاءل أملهم في السلام يوماً بعد يوم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى