تونسالرئيسية

عيد الجلاء: بنزرت من ذاكرة التحرير إلى معركة التنمية والسيادة الاقتصادية

من تحرير الأرض إلى صناعة الثروة: كيف يمكن لبنزرت أن تتحول إلى نموذج تونسي للاستثمار المستدام وخلق فرص العمل؟

 

 شمس اليوم

في الخامس عشر من أكتوبر، تستحضر تونس ذكرى وطنية تختزل مرحلة حاسمة من تاريخها الحديث، حين غادرت آخر القوات الفرنسية مدينة بنزرت سنة 1963، لتُطوى صفحة من الصراع من أجل استكمال السيادة الوطنية. لم يكن ذلك اليوم مجرد نهاية لوجود عسكري أجنبي، بل كان ثمرة نضال وتضحيات جسيمة، وتجسيدًا لإرادة شعب تمسّك بحقه في الحرية وتقرير المصير.

لكن قيمة هذه الذكرى لا تكمن في استعادة الماضي وحده، بل في قدرتها على مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل. فبعد أكثر من ستة عقود على استكمال الجلاء، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل السيادة السياسية إلى استقلال اقتصادي فعلي، يجعل من ثروات تونس فرصًا للإنتاج والاستثمار والتشغيل، ويمنح الشباب أسبابًا حقيقية لبناء مستقبلهم داخل وطنهم؟

إن معركة اليوم مختلفة في أدواتها، لكنها لا تقل أهمية في نتائجها. فالتحدي لم يعد استعادة الأرض، وإنما حسن استثمارها؛ ولم يعد استكمال السيادة على التراب، بل تعزيز القدرة على إنتاج الثروة، وحماية الموارد، وتطوير المؤسسات، وتحقيق تنمية عادلة تشمل مختلف الجهات.

وفي هذا السياق، تبرز بنزرت باعتبارها أكثر من مدينة ارتبط اسمها بحدث تاريخي مفصلي. إنها منطقة تمتلك مؤهلات بحرية وفلاحية وصناعية وبيئية يمكن أن تجعل منها إحدى ركائز التنمية المستدامة في تونس، إذا ما تحولت هذه الإمكانات إلى استراتيجية واضحة ومشاريع قابلة للتنفيذ.

بنزرت… حين تصبح الذاكرة مسؤولية اقتصادية

لم يكن اختيار بنزرت قاعدة عسكرية فرنسية بعد استقلال تونس سنة 1956 أمرًا منفصلًا عن موقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط. فقد جعلها موقعها البحري نقطة ذات أهمية عسكرية وجيوسياسية، وظل وجود القوات الفرنسية فيها أحد الملفات الأساسية التي حالت دون اكتمال الجلاء قبل سنة 1963.

واليوم، يمكن قراءة هذا الموقع من زاوية مختلفة: كيف يتحول الموقع الاستراتيجي من قيمة جغرافية إلى قيمة اقتصادية؟ وكيف يمكن استثمار الانفتاح البحري والموارد الطبيعية والبنية الصناعية لتطوير قطب إنتاجي قادر على المنافسة؟

إن بنزرت تجمع بين الميناء التجاري، والأنشطة الصناعية، والأراضي الزراعية، والموارد البحرية، فضلًا عن مؤهلات سياحية وبيئية مهمة. وتمنحها هذه العناصر فرصة لبناء منظومة اقتصادية مترابطة، تتكامل فيها الفلاحة والصناعة والخدمات اللوجستية والبحث العلمي والابتكار.

لكن الثروة الطبيعية لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية. فالأرض الخصبة لا تضمن دخلًا مستقرًا للفلاح إذا غابت الصناعات التحويلية وقنوات التسويق المناسبة، والميناء لا يستنفد إمكاناته إذا اقتصرت أنشطته على حركة البضائع دون تطوير الخدمات المرتبطة بها، والموارد البحرية لا تحقق قيمة مستدامة إذا لم تقترن بحماية البيئة وتحسين جودة المنتجات.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من اقتصاد يستفيد من الموارد المتاحة بصورة محدودة إلى اقتصاد يرفع قيمتها المضافة، ويوسع فرص العمل، ويعزز قدرة المؤسسات التونسية على المنافسة.

الميناء الأخضر: من عبور البضائع إلى صناعة القيمة المضافة

يمكن أن يشكل ميناء بنزرت إحدى ركائز استراتيجية اقتصادية جديدة، تقوم على تطوير الخدمات البحرية واللوجستية وربطها بالنسيج الصناعي المحلي.

ولا يتعلق الأمر بمجرد توسيع البنية التحتية، بل بدراسة كيفية رفع مردودية المنشآت القائمة، وتحسين إدارة حركة البضائع، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الربط بين الميناء والمناطق الصناعية وشبكات النقل.

كما يمكن دراسة فرص تطوير الصيانة والإصلاح البحريين، والخدمات الفنية للسفن، والتخزين المتخصص، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الخارجية. ويمكن لهذه الأنشطة، إذا أثبتت دراسات السوق جدواها، أن تفتح مجالات جديدة أمام المؤسسات التونسية والمهندسين والفنيين وأصحاب الاختصاص.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية مع التحولات التي يشهدها النقل البحري، حيث أصبحت الكفاءة الطاقية والحد من الانبعاثات عنصرين متزايدي الأهمية في تنافسية الموانئ.

ومن هنا، يمكن دراسة إدماج الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة المعدات، وتقليص الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة المينائية، وصولًا إلى تقييم جدوى تزويد السفن بالكهرباء أثناء الرسو، وفق الحاجات الفنية وتكلفة الاستثمار وقدرة الشبكة الكهربائية.

غير أن أي مشروع من هذا النوع ينبغي أن ينطلق من تشخيص واقعي للبنية التحتية الموجودة، وحجم الطلب، والمشاريع المبرمجة، والكلفة الاقتصادية والبيئية. فالهدف ليس الإعلان عن ميناء أخضر باعتباره شعارًا، بل بناء منظومة بحرية أكثر كفاءة وقدرة على خلق القيمة وفرص العمل.

الفلاحة والصناعات الغذائية: كيف تتحول الأرض الخصبة إلى ثروة محلية؟

تمثل المؤهلات الفلاحية لبنزرت قاعدة مهمة لتطوير اقتصاد محلي لا يكتفي بإنتاج المواد الأولية، بل يعمل على تحويلها وتسويقها وتعزيز قدرتها على المنافسة.

ومن بين المشاريع التي تستحق الدراسة إحداث قطب جهوي للتحويل الغذائي والاقتصاد الدائري، يربط الفلاحين بالمؤسسات الصناعية ومراكز التخزين والتبريد والتوضيب والتوزيع.

يمكن أن يشمل هذا التصور وحدات لتجفيف الخضر والغلال، وتحويل المنتجات الفلاحية، وتطوير الصناعات الغذائية، وتحسين التعبئة والتغليف، بما يساعد على الحد من ضياع المحاصيل ورفع القيمة التجارية للمنتجات المحلية.

كما يمكن دعم المؤسسات الصغرى والتعاونيات التي تعمل في هذه المجالات، من خلال توفير التجهيزات المشتركة، والتكوين، والمساعدة الفنية، والتسويق الرقمي، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الداخلية والخارجية.

وتبقى الجودة والتتبع واحترام المعايير الصحية شروطًا أساسية لبناء الثقة لدى المستهلكين والمشترين الدوليين. أما العلامات البيولوجية وشهادات المنشأ، فينبغي تطويرها للمنتجات التي تستوفي متطلباتها الفعلية.

ولا تنفصل هذه الرؤية عن تحدي المياه. فالتغيرات المناخية والضغط على الموارد المائية يفرضان تطوير أساليب ري أكثر كفاءة، وتحسين إدارة المياه، واستخدام التقنيات الرقمية لمراقبة احتياجات المزروعات، مع مراعاة طبيعة المحاصيل والتربة والإمكانات المتاحة.

ويمكن كذلك دراسة تحويل بعض المخلفات الزراعية والغذائية إلى سماد عضوي أو طاقة حيوية، متى أثبتت الدراسات أن الكميات المتوفرة تسمح بذلك وأن الكلفة والمردودية مناسبتان.

بهذا المعنى، لا تصبح الفلاحة مجرد نشاط لإنتاج المحاصيل، بل قاعدة لسلسلة اقتصادية متكاملة تشمل التحويل والصناعة والخدمات والتصدير والتكنولوجيا.

بحيرة بنزرت: حماية البيئة بوصفها استثمارًا في المستقبل

تمثل بحيرة بنزرت موردًا بيئيًا واقتصاديًا مهمًا، لكن الاستفادة المستدامة منها ترتبط مباشرة بجودة مياهها، وحماية التنوع البيولوجي، والحد من التلوث الناتج عن الأنشطة الصناعية والعمرانية.

إن استعادة التوازن البيئي للبحيرة لا ينبغي أن تُختزل في حملات تنظيف متفرقة، بل تتطلب متابعة مستمرة لجودة المياه، ومعالجة مصادر التلوث، وتحسين منظومات التطهير، وتعزيز الرقابة البيئية، وتنسيق الجهود بين المؤسسات العمومية والبلديات والمنشآت الاقتصادية والمجتمع المدني.

وتشكل حماية البحيرة أيضًا شرطًا لتطوير أنشطة اقتصادية مسؤولة، من بينها تربية الأحياء المائية والأنشطة البحرية والسياحة البيئية والبحث العلمي.

لكن هذه الفرص تحتاج إلى دراسات دقيقة لتقييم سلامة المياه، وقدرة النظام البيئي على استيعاب الأنشطة الجديدة، ومدى توافقها مع القواعد الصحية والبيئية. ولا يجوز توسيع إنتاج المحار أو غيره من المنتجات البحرية قبل التأكد من استيفاء شروط السلامة والجودة.

كما يمكن تطوير السياحة البيئية والعلمية من خلال مسارات للتعريف بالتراث الطبيعي، وبرامج تعليمية، وشراكات مع المؤسسات الجامعية والبحثية، مع احترام المناطق الحساسة والأنظمة القانونية المتعلقة بحماية الطبيعة.

إن حماية بحيرة بنزرت ليست عبئًا على التنمية، بل شرط من شروط استمراريتها. فالموارد البيئية السليمة تدعم الاقتصاد البحري، وتحسن جودة الحياة، وتوفر فرصًا يمكن أن تستفيد منها الأجيال الحالية والقادمة.

الصناعة والانتقال الطاقي: فرصة لتجديد النموذج الاقتصادي

تحتاج الصناعة التونسية إلى تعزيز قدرتها على المنافسة في بيئة دولية تتزايد فيها أهمية الكفاءة الطاقية والمعايير البيئية والتطور التكنولوجي.

وبالنسبة إلى بنزرت، يمكن أن يشكل الانتقال الطاقي مدخلًا لتحديث المؤسسات الصناعية وتقليص تكاليف التشغيل وتحسين قدرتها على النفاذ إلى الأسواق.

وتبدأ الخطوة الأولى بإجراء تشخيص للطاقة داخل المناطق الصناعية، لتحديد مصادر الهدر، وتقييم إمكانات الطاقة الشمسية، وتحسين كفاءة المعدات، واسترجاع الحرارة المهدورة، وتطوير حلول مناسبة لكل منشأة.

كما يمكن دراسة مشاريع لإنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، وفق الإمكانات العقارية والفنية وقدرات الشبكة والإطار القانوني. ويجب أن ترتبط هذه المشاريع بحاجات المؤسسات الفعلية، لا بمجرد الرغبة في إطلاق استثمارات تحمل صفة خضراء.

أما الهيدروجين الأخضر، فيمكن أن يكون مجالًا للدراسة المستقبلية، لكنه يتطلب تقييمًا دقيقًا لتوفر الكهرباء المتجددة والمياه المناسبة والبنية التحتية والأسواق القادرة على استيعاب الإنتاج. لذلك، ينبغي عدم اعتباره أولوية محسومة قبل إثبات جدواه مقارنة بالحلول الأكثر مباشرة.

ومن الضروري أيضًا أن تستعد المؤسسات المصدرة للتطورات التنظيمية في الأسواق الدولية، ومنها آليات تعديل الكربون على الحدود الأوروبية التي تشمل قطاعات ومنتجات محددة. فالتأثير يختلف بحسب طبيعة النشاط والمنتجات المعنية، ويجب التعامل معه وفق البيانات الفعلية لكل مؤسسة.

إن الانتقال الطاقي الناجح لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل على القدرة على ربط الاستثمار بالابتكار والتكوين والإنتاجية، بما يجعل الصناعة التونسية أكثر قدرة على الصمود والتطور.

الشباب والكفاءات: الثروة التي لا يجوز أن تبقى معطلة

لا يمكن لأي استراتيجية تنموية أن تحقق أهدافها إذا بقي الشباب خارج عملية صنع القرار الاقتصادي، أو إذا ظلت الكفاءات تبحث عن فرص لا تجدها في مناطقها.

ومن هنا، ينبغي أن يكون التشغيل محورًا أساسيًا في كل مشروع، منذ مرحلة التخطيط ودراسة الجدوى، وليس مجرد نتيجة يُفترض أن تتحقق تلقائيًا بعد إنجاز البنية التحتية.

وتستطيع المؤسسات الجامعية ومراكز التكوين المهني أن تلعب دورًا محوريًا في إعداد اختصاصات تتناسب مع حاجات الاقتصاد الجهوي، مثل الصيانة الصناعية، والخدمات البحرية، والتحويل الغذائي، والطاقات المتجددة، وإدارة الموارد البيئية، والتقنيات الرقمية.

كما يمكن تطوير برامج لدعم المبادرات الشبابية والمؤسسات الناشئة والتعاونيات، مع توفير المرافقة الفنية والإدارية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وبناء شراكات مع المؤسسات الاقتصادية.

ولا يكفي توفير التمويل الأولي للمشاريع، بل يجب أن يترافق ذلك مع دراسة الطلب، والتكوين في الإدارة والتسويق، وتطوير المنتجات، ومتابعة قدرة المؤسسات على الاستمرار.

فالهدف ليس خلق مشاريع مؤقتة أو أرقام ظرفية حول التشغيل، بل بناء مؤسسات قادرة على إنتاج الثروة وتوفير وظائف مستقرة.

إن الاستثمار في الشباب هو استثمار في السيادة الاقتصادية نفسها؛ لأن الاقتصاد الذي لا يستطيع تثمين كفاءاته يظل معرضًا لخسارة جزء من قدرته على الابتكار والتجديد.

من الرؤية إلى الإنجاز: استراتيجية قابلة للقياس

تحتاج هذه المشاريع إلى إطار عملي يحدد الأولويات والمسؤوليات ومصادر التمويل وآجال التنفيذ، مع التمييز بين المبادرات القابلة للانطلاق والمشاريع التي لا تزال بحاجة إلى دراسات.

ويمكن أن تبدأ الاستراتيجية بإعداد تشخيص اقتصادي وبيئي محين لبنزرت، يشمل البنية التحتية القائمة، وحاجات المؤسسات، والموارد المتاحة، وفرص الاستثمار، والعراقيل الإدارية والفنية.

بعد ذلك، يمكن إعداد دراسات جدوى أولية للمشاريع المقترحة، تتضمن كلفة الاستثمار والتشغيل، والإيرادات المحتملة، والمخاطر، والأثر على البيئة، وعدد الوظائف التي يمكن أن توفرها في السيناريوهات المختلفة.

ويجب أن يشمل التنفيذ تنسيقًا فعالًا بين الجهات العمومية والمؤسسات الاقتصادية والجامعات ومراكز التكوين والبلديات، مع توفير المعلومات الضرورية للمستثمرين وتحسين متابعة الملفات الإدارية.

أما التمويل، فيمكن أن يجمع بين الموارد الذاتية للمستثمرين، والتمويلات البنكية، وبرامج الدعم العمومي، والآليات الدولية التي تتوافق مشاريعها مع شروط الاستحقاق. ولا ينبغي التعويل على أي صندوق أو آلية تمويل قبل التحقق من الأهلية وشروط التقديم والقدرة على توفير التمويل المقابل عند الحاجة.

والأهم أن تخضع النتائج للقياس الدوري، من خلال مؤشرات تشمل الاستثمارات المنجزة فعلًا، والوظائف المستدامة، وتطور القيمة المضافة المحلية، ومداخيل المنتجين، وتحسن كفاءة استعمال المياه والطاقة، والتقدم المحقق في حماية البيئة.

فنجاح التنمية لا يقاس بعدد التصريحات أو الاتفاقيات، بل بما يتحقق على أرض الواقع من فرص اقتصادية وتحسن في حياة المواطنين.

بنزرت وتونس: من العدالة التاريخية إلى العدالة التنموية

لا تخص رسالة عيد الجلاء بنزرت وحدها، بل تشمل كل جهة تونسية تمتلك موارد وإمكانات تحتاج إلى سياسات أكثر فاعلية لتثمينها.

فالعدالة التنموية لا تعني أن تتشابه الجهات في أنشطتها، وإنما أن تتوفر لكل جهة فرصة حقيقية لاستثمار مزاياها، وتطوير مؤسساتها، وخلق فرص العمل، وتحسين خدماتها الأساسية.

تحتاج تونس إلى رؤية وطنية تربط خصوصية كل منطقة بالأولويات الاقتصادية الكبرى، من الأمن الغذائي والطاقي إلى التصنيع والتكنولوجيا والتصدير والسياحة المستدامة.

وفي هذا الإطار، يمكن أن تقدم بنزرت نموذجًا قائمًا على التكامل بين الميناء والصناعة والفلاحة والبيئة، شرط أن تستند المشاريع إلى دراسات واقعية وأن تُنفذ وفق الإمكانات المتاحة.

أما جسر بنزرت المتحرك، بما يمثله من رابط بين الضفتين وعنصر بارز في صورة المدينة، فيمكن أن يصبح رمزًا لمعنى أوسع: بناء الجسور بين الذاكرة والمستقبل، وبين الموارد والاستثمار، وبين التكوين والتشغيل، وبين المبادرات المحلية والأسواق الدولية.

الجلاء الذي نحتاجه اليوم هو جلاء التعطيل

في الخامس عشر من أكتوبر، تستحضر تونس تضحيات الذين دافعوا عن سيادتها الوطنية، لكنها مطالبة أيضًا بأن تجعل من هذه الذكرى مناسبة لتقييم مسارها التنموي وتجديد الالتزام ببناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وعدالة واستدامة.

لقد كان الجلاء استكمالًا لمعركة تحرير الأرض. أما اليوم، فإن التحدي يتمثل في تحرير الإمكانات من التعطيل، والثروات من ضعف التثمين، والكفاءات من محدودية الفرص، والمبادرات من العراقيل التي تحول دون تحولها إلى مشاريع ناجحة.

وبنزرت، بما تمتلكه من مؤهلات بحرية وفلاحية وصناعية وبيئية، قادرة على الإسهام في هذا المسار إذا توفرت رؤية متكاملة، وإدارة فعالة، واستثمارات مدروسة، وشراكة حقيقية مع الشباب والفاعلين الاقتصاديين.

إن الوفاء لتاريخ الوطن لا يكون بالاحتفال وحده، بل بتحويل الدروس إلى قرارات، والقرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج ملموسة.

فلتكن ذكرى الجلاء عهدًا متجددًا بأن تكون السيادة قدرة على الإنتاج، والثروة فرصة للتنمية، والشباب شريكًا في صناعة المستقبل. ومن بنزرت، كما من كل شبر من تونس، تبدأ الحركة نحو وطن أكثر ازدهارًا وعدالة وثقة في قدراته.

مقالات ذات صلة