مقالاتأخبار العالم العربي

حرب إيران واختبار القوى الكبرى: من يوظّف النفوذ لصناعة السلام، ومن يراهن على إطالة الصراع؟

شمس اليوم 

حين تتواجه القوى الكبرى على أرضٍ ملتهبة، لا يكون السؤال الحقيقي فقط مَن يمتلك السلاح الأقوى، بل مَن يمتلك القدرة على منع الحرب من التحول إلى كارثة إقليمية وعالمية. وبين حسابات واشنطن وطهران ومصالح بكين وموسكو، يبقى مصير المنطقة مرتبطًا بقرار لم يُحسم بعد: هل يصبح النفوذ الدولي جسرًا نحو السلام، أم أداة لإدارة صراع طويل يدفع ثمنه ملايين البشر؟

ما وراء التصريحات الأمريكية: هل غياب التدخل المباشر يعني غياب التأثير؟

أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمال مساعدة الصين وروسيا لإيران طرح سؤال يتجاوز مضمون النفي أو التحذير نفسه: إلى أي مدى تستطيع القوى الكبرى التأثير في مسار الحرب من دون الانخراط فيها مباشرة؟

ففي الصراعات المعقدة، لا تُقاس الأدوار الدولية بما يُعلن عنها فقط، ولا يمكن فهمها من خلال التصريحات السياسية وحدها. قد تتجنب دولة إرسال قواتها إلى الميدان، لكنها تحتفظ بأدوات دبلوماسية واقتصادية وتقنية قادرة على التأثير في ميزان القوى. وقد تعلن دولة أخرى دعمها السياسي لطرف من أطراف النزاع، من دون أن تكون مستعدة لتحمل كلفة الدفاع العسكري المباشر عنه.

ومن هنا، ينبغي التمييز بين الدعم السياسي، والتعاون الاقتصادي، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعلومات، وتقديم المعدات العسكرية، والمشاركة المباشرة في العمليات القتالية. فلكل شكل من هذه الأشكال دلالته الاستراتيجية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مستويات متطابقة من التدخل.

وقد أُثيرت اتهامات وتقارير بشأن أشكال محتملة من المساعدة الخارجية لإيران، بما في ذلك مزاعم عن دعم تقني أو معلوماتي وتسهيلات اقتصادية. غير أن إثبات هذه الادعاءات يحتاج إلى أدلة مستقلة وموثوقة، ولا يكفي تداولها في الخطاب السياسي أو الإعلامي لتحويلها إلى حقائق مؤكدة.

إن هذه الدقة ليست تفصيلًا صحفيًا، بل شرط أساسي لفهم الأزمة. فالمبالغة في تقدير الدعم الخارجي قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، مثلما أن التقليل من شأنه، إذا ثبت وجوده، قد يحجب جانبًا مهمًا من حقيقة الصراع.

لكن المسألة الأعمق لا تتعلق فقط بما إذا كانت بكين وموسكو تساعدان طهران، بل بما تريده كل منهما من هذه الحرب، وما الحدود التي لن تقبل بتجاوزها، وما إذا كانتا مستعدتين لاستخدام نفوذهما لخفض التصعيد بدل الاكتفاء بمراقبة نتائجه.

الصين وإيران: بين المصالح الاقتصادية وطموح إعادة تشكيل النظام الدولي

لا تتحرك الصين في الشرق الأوسط بدافع واحد، ولا يمكن اختزال علاقتها بإيران في التحالف السياسي أو المصالح النفطية وحدها. فبكين تسعى إلى حماية شبكة واسعة من المصالح التجارية والصناعية والاستثمارية، بالتوازي مع تعزيز حضورها الدولي وتقليص اعتمادها على نظام عالمي تهيمن الولايات المتحدة على جوانب أساسية منه.

وتمنح العلاقة مع إيران الصين شريكًا مهمًا في منطقة استراتيجية، لكنها لا تعني أن بكين مستعدة لخوض مواجهة عسكرية مفتوحة مع واشنطن دفاعًا عن طهران. فالقوة الصينية ترتكز بدرجة كبيرة على الإنتاج والتجارة والتكنولوجيا والأسواق، وهي عناصر تتضرر عندما يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة اضطراب ممتد.

إن اتساع الحرب يهدد استقرار إمدادات الطاقة، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد المخاطر على الممرات البحرية، ويضع الشركات أمام بيئة يصعب فيها التخطيط والاستثمار. ولا تستطيع الصين، مهما اتسعت قدراتها، أن تعزل اقتصادها بالكامل عن صدمة عالمية طويلة في الطاقة والتجارة.

لذلك، قد يكون تجنب التدخل العسكري المباشر خيارًا يخدم مصالحها، من دون أن يعني تخليها عن طموحاتها السياسية أو عن علاقاتها بإيران. ويمكن لبكين أن تستخدم الدبلوماسية، والضغط السياسي، والعلاقات الاقتصادية، والمشاركة في الوساطة، لتعزيز موقعها من دون تحمل المخاطر نفسها التي يفرضها الانخراط العسكري.

لكن هناك فارقًا بين استثمار الأزمة لتحسين الموقع التفاوضي، واستخدام النفوذ لإنتاج تسوية تقلل احتمالات تكرارها. فالدولة التي تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها قوة دولية مسؤولة لا يكفيها أن تدعو إلى الحوار؛ بل يتعين عليها أن تُظهر كيف يمكن لهذا الحوار أن يتحول إلى التزامات عملية.

وإذا كانت الصين تمتلك علاقات تسمح لها بالتواصل مع طهران وواشنطن وأطراف أخرى، فإن السؤال هو ما إذا كانت ستستخدم هذه العلاقات لدعم ترتيبات قابلة للتحقق، تشمل وقف التصعيد وحماية الملاحة وفتح مسار تفاوضي جاد.

فالمكسب الاستراتيجي الأكبر لا يكون دائمًا في إضعاف المنافس أو استثمار انشغاله، بل قد يكون في منع أزمة تهدد النظام الاقتصادي الذي تقوم عليه قوة الدولة نفسها.

روسيا وإيران: هل تتحول الأزمة إلى فرصة استراتيجية؟

تقرأ موسكو المواجهة من زاوية تتداخل فيها المصالح الأمنية والإقليمية مع التنافس الأوسع مع الولايات المتحدة. وقد يتيح انشغال واشنطن بحرب ممتدة لروسيا فرصًا لتحسين موقعها في بعض الملفات الدولية، أو التأثير في توزيع الاهتمام والموارد الأمريكية.

غير أن الاستفادة المحتملة من انشغال المنافس لا تعني بالضرورة الرغبة في اتساع الحرب. فالتصعيد الذي يبدأ بوصفه وسيلة ضغط قد يتحول إلى أزمة يصعب التحكم فيها، خصوصًا عندما تتداخل العمليات العسكرية مع المصالح البحرية والطاقة وحسابات الردع لدى أكثر من دولة.

كما أن العلاقة الروسية الإيرانية، مثل غيرها من العلاقات الدولية، لا تعني تطابق المصالح في كل الظروف. فقد يتفق الطرفان في ملفات استراتيجية، بينما تختلف حساباتهما بشأن حدود التصعيد، وشروط التفاوض، والتكاليف التي يمكن تحمّلها.

ولهذا، لا يصح افتراض أن موسكو ستتدخل عسكريًا لمجرد وجود تقارب سياسي أو استراتيجي، كما لا يصح استنتاج أن تجنبها المواجهة المباشرة يعني أنها لا تملك وسائل للتأثير في مسار الأزمة.

فالتأثير الدولي قد يظهر عبر المواقف الدبلوماسية، أو الوساطة، أو العلاقات الاقتصادية، أو غيرها من الأدوات، لكن تقييم أي دور يجب أن يستند إلى ما يمكن إثباته، لا إلى توقعات تُقدَّم باعتبارها وقائع.

ويظل أمام روسيا خيار استراتيجي واضح المعالم: أن تتعامل مع الحرب باعتبارها فرصة مؤقتة لتحسين موقعها في المنافسة الدولية، أو أن تستخدم علاقاتها ونفوذها للمساهمة في بناء تسوية تقلل مخاطر التصعيد وتمنح المنطقة فرصة لاستعادة الاستقرار.

وقد لا تتطابق مصالح موسكو مع مصالح واشنطن أو بكين أو طهران، لكن اختلاف المصالح لا يلغي وجود مصلحة مشتركة في منع مواجهة واسعة لا يستطيع أي طرف ضمان نتائجها.

واشنطن وطهران: عندما تصبح القوة العسكرية عاجزة عن حسم السياسة

لا يمكن تحليل دور الصين وروسيا بمعزل عن القرارات التي تتخذها الولايات المتحدة وإيران، أو عن تأثير إسرائيل والمخاوف الأمنية للدول المحيطة.

فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية في أواخر فبراير 2026، أصبحت الأزمة اختبارًا لقدرة الأطراف على التوفيق بين أهدافها الأمنية والسياسية وبين الكلفة المتزايدة لاستمرار القتال. وتداخلت في مسارها ملفات الردع، والبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وأمن الملاحة، وموقع إيران الإقليمي، فضلًا عن حسابات الولايات المتحدة وحلفائها.

تكشف هذه المواجهة حقيقة غالبًا ما تغيب عن الخطاب العسكري: القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية مستقرة.

فقد تحقق العمليات العسكرية أهدافًا محددة، أو تعطل قدرات معينة، أو تفرض ضغطًا على الطرف المقابل. لكنها لا تضمن وحدها تغيير حساباته السياسية، ولا توفر تلقائيًا ترتيبات أمنية تمنع تجدد الصراع.

وفي المقابل، لا تستطيع إيران تجاهل الأعباء البشرية والاقتصادية والأمنية لحرب طويلة، ولا المخاطر التي يفرضها استمرار المواجهة على مستقبلها وعلاقاتها الإقليمية. لكن الضغط العسكري والاقتصادي لا يؤدي دائمًا إلى التراجع السريع؛ فقد يدفع الأطراف أحيانًا إلى التشدد إذا اعتقدت أن التنازل سيضعف قدرتها على الردع أو يهدد موقعها السياسي.

وهنا تتشكل معضلة خطرة: يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه قبل التفاوض، لكنه قد يرفع، في أثناء ذلك، كلفة التسوية ويجعل التوصل إليها أكثر صعوبة.

وعندما يصبح التراجع في نظر القيادة هزيمة سياسية، قد تستمر الحرب حتى بعد تراجع جدواها العملية. وفي هذه اللحظة، لا يعود التحدي مقتصرًا على تحديد الطرف الأقوى عسكريًا، بل يصبح البحث عن صيغة تسمح بإنهاء المواجهة من دون أن يرى أي طرف أن الاتفاق يهدد أمنه الأساسي.

وهذا لا يعني المساواة بين جميع المسؤوليات أو تجاهل أسباب الحرب، بل يعني إدراك أن إنهاءها يتطلب معالجة المخاوف الفعلية، وتحديد التزامات متبادلة، وتوفير آليات للتحقق من تنفيذها.

من الشرق الأوسط إلى العالم: كيف تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية؟

قد تبدو المواجهة، في ظاهرها، صراعًا عسكريًا بين دول متنافسة، لكن آثارها تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية. ففي الاقتصاد العالمي، يمكن لأي اضطراب مستمر في الطاقة أو الملاحة أن يتحول إلى ضغط على الأسعار والإنتاج والاستثمار والقدرة الشرائية.

ويبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في هذه المعادلة، نظرًا إلى دوره في حركة النفط والغاز والتجارة البحرية. فتعرض الملاحة فيه للتهديد لا يؤثر فقط في الدول المنتجة أو المستهلكة للطاقة، بل ينعكس أيضًا على شركات النقل والتأمين والصناعات التي تعتمد على الإمدادات المستقرة.

ولا يشترط أن يتوقف تدفق النفط بصورة كاملة حتى تبدأ التداعيات. فقد يؤدي ارتفاع المخاطر وحده إلى زيادة أقساط التأمين، وتغيير مسارات السفن، وارتفاع كلفة الشحن، وتأخر وصول السلع، ودفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم.

ومع استمرار الأزمة، قد تجد الحكومات نفسها أمام ضغوط إضافية على الميزانيات، فيما تواجه الشركات ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج والتوزيع. وتنعكس هذه الضغوط تدريجيًا على أسعار الغذاء والنقل والطاقة والخدمات، لتصل في النهاية إلى الأسر التي لا تملك أي تأثير في القرارات العسكرية.

وتكون الدول ذات الموارد المالية المحدودة أكثر عرضة لهذه الصدمات، خصوصًا عندما تعتمد على استيراد الطاقة والمواد الأساسية، أو تواجه أصلًا ضغوطًا على العملة والميزانية والتشغيل.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الآثار باعتبارها نتائج جانبية لا يمكن تجنبها. فحماية طرق التجارة والطاقة، وتقليل المخاطر على الملاحة، وفتح مسارات دبلوماسية لخفض التصعيد، كلها عناصر تؤثر مباشرة في قدرة الاقتصادات على الاستمرار.

إن الحرب لا تستهلك الموارد العسكرية فقط؛ إنها تستهلك أيضًا الثقة، وتضعف القدرة على التخطيط، وتؤجل الاستثمار، وتحول الأموال التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية والخدمات والبنية التحتية إلى تكاليف دفاعية وتعويضات واستجابات طارئة.

وهكذا تصبح الكلفة الاقتصادية جزءًا من الكلفة الاستراتيجية للحرب، لا مجرد انعكاس مالي لها.

الوجه الإنساني للأزمة: الشعوب التي تدفع ثمن قرارات لم تتخذها

وراء التصريحات الرسمية وخرائط العمليات العسكرية، هناك أناس يحاولون مواصلة حياتهم في ظل القلق. أسرة تخشى فقدان مصدر دخلها، وعامل يخاف أن تتراجع فرص العمل، وصاحب مؤسسة صغيرة يواجه ارتفاع تكاليفه، وشاب يؤجل مشروعه لأن المستقبل أصبح أقل وضوحًا.

هذه الصور ليست هامشًا إنسانيًا في تحليل سياسي؛ إنها تكشف جوهر ما تعنيه الحرب خارج غرف القيادة.

فحين تتعطل التجارة، أو ترتفع أسعار الوقود، أو تتراجع الاستثمارات، لا تتحمل جميع الفئات الكلفة نفسها. غالبًا ما تكون الأسر محدودة الدخل أقل قدرة على امتصاص الصدمات، بينما تجد المؤسسات الصغيرة نفسها أمام ضغوط قد تهدد استمرارها، وتواجه الحكومات خيارات صعبة بين حماية القدرة الشرائية والمحافظة على التوازنات المالية.

كما أن آثار الحرب لا تنتهي فور توقف القتال. فإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة الثقة، وتعويض الخسائر، وإعادة تشغيل المؤسسات، ومعالجة الآثار الاجتماعية تحتاج إلى وقت وموارد قد تكون المجتمعات في أمسّ الحاجة إليها.

ولهذا، فإن قياس نجاح أي سياسة لا ينبغي أن يقتصر على ما تحققه من مكاسب عسكرية أو تفاوضية، بل يجب أن يشمل قدرتها على تقليل الخسائر البشرية، وحماية الخدمات الأساسية، ومنع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

إن الأمن الذي لا يحمي الإنسان يظل أمنًا ناقصًا. والقوة التي تحافظ على المواقع الاستراتيجية لكنها تترك المجتمعات أكثر هشاشة، تحتاج إلى مراجعة مفهومها للنجاح.

ثلاثة مسارات أمام المنطقة والعالم

يبقى مستقبل الحرب مفتوحًا على احتمالات متعددة، لكن المصالح المتعارضة والمخاطر القائمة تسمح بتمييز مسارات رئيسية قد يتجه إليها الصراع.

احتواء التصعيد وفتح طريق للتفاوض

في هذا المسار، تدرك الأطراف أن كلفة  تتجاوز المكاسب المتوقعة، فتبدأ بخطوات متبادلة لخفض الهجمات، وتفعيل قنوات الاتصال، وإعادة فتح المسار الدبلوماسي.

وقد تسهم الصين وروسيا في تقريب المواقف من خلال علاقاتهما ونفوذهما، بالتوازي مع دور الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية والأمم المتحدة في دعم التهدئة.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من إعلان وقف مؤقت لإطلاق النار. فلا بد من آلية للتحقق من الالتزامات، وتحديد كيفية التعامل مع الخروقات، ووضع جدول تفاوضي يعالج الملفات الأساسية، ويمنع تحول الهدنة إلى استراحة قبل جولة جديدة من المواجهة.

استمرار حرب الاستنزاف

قد يختار الأطراف تجنب الحرب الشاملة مع الاستمرار في تبادل الضغوط والتهديدات والهجمات المحدودة، أملاً في تحسين مواقعهم قبل أي تسوية.

غير أن هذا المسار، رغم أنه قد يبدو أقل خطورة، يحمل أعباء متراكمة. فحالة عدم اليقين تضعف الاستثمار، وتزيد تقلب الأسواق، وتُبقي طرق التجارة والطاقة عرضة للمخاطر، بينما تتحمل المجتمعات كلفة نفسية واقتصادية متواصلة.

وتكمن خطورته في أن استمرار الأزمة قد يصبح أمرًا معتادًا، حتى تتراجع قدرة الأطراف على إدراك حجم الأضرار المتراكمة، ثم يؤدي حادث جديد إلى تصعيد أكبر مما كان مقصودًا.

اتساع المواجهة وتداخل القوى الدولية

يصبح هذا المسار أكثر احتمالًا إذا تصاعدت الهجمات، وتزايدت الاتهامات بشأن الدعم الخارجي، أو تعرضت مصالح دول إضافية للاستهداف، أو شعرت القوى الكبرى بأن عليها التدخل المباشر لحماية مواقعها ومصالحها.

وعندئذ قد تتحول المواجهة من صراع إقليمي إلى أزمة دولية أوسع، ترتفع معها مخاطر سوء التقدير وتتضاعف كلفة الطاقة والتجارة والأمن.

هذا هو السيناريو الأكثر إثارة للقلق، لكنه ليس نتيجة حتمية. فكلما تحركت الأطراف مبكرًا لإنشاء قنوات اتصال وضبط قواعد الاشتباك وفتح التفاوض، زادت فرص منع الأزمة من تجاوز حدودها الحالية.

من إدارة الحرب إلى صناعة السلام: ما الذي ينبغي فعله عمليًا؟

لا يمكن إنهاء حرب معقدة بشعار يدعو إلى الحوار، ولا بتوقع أن تتخلى الأطراف عن مخاوفها ومصالحها بصورة مفاجئة. المطلوب هو مسار سياسي وأمني واقتصادي متدرج، يحول خفض التصعيد من موقف معلن إلى التزامات قابلة للتحقق.

تبدأ الخطوة الأولى بوقف متبادل للهجمات التي تهدد المدنيين والمنشآت الحيوية، مع تحديد واضح لما يشمله الاتفاق، وإنشاء آلية مستقلة لرصد الخروقات وتوثيقها. فالالتزامات الغامضة تفتح الباب أمام تفسيرات متعارضة، بينما تساعد القواعد المحددة على تقليل فرص التصعيد الناتج عن سوء الفهم.

وتتمثل الخطوة الثانية في إنشاء قناة اتصال دائمة بين الأطراف المعنية، بمشاركة الدول القادرة على التأثير في مسار الأزمة. والهدف ليس حل جميع الخلافات عبر قناة واحدة، بل توفير وسيلة سريعة لمعالجة الحوادث الخطرة، وتوضيح التحركات العسكرية، ومنع القرارات المتسرعة من إشعال مواجهة أوسع.

أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في تحييد الملاحة والطاقة قدر الإمكان عن الصراع. ويمكن أن يشمل ذلك ترتيبات متفقًا عليها للإبلاغ عن المخاطر البحرية، وحماية السفن المدنية، وتنسيق الاستجابة للحوادث، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية. وينبغي أن تتم هذه الترتيبات بما يمنع استخدامها ذريعة لتوسيع العمليات العسكرية.

وتأتي بعد ذلك المفاوضات السياسية التي تعالج أسباب النزاع، بما في ذلك الملفات النووية والأمنية والعقوبات والمخاوف الإقليمية ذات الصلة. وينبغي أن تستند إلى مراحل تنفيذ واضحة، والتزامات متبادلة، وآليات تحقق، ومسار لمعالجة الخلافات قبل أن تعود إلى الميدان العسكري.

وفي هذا السياق، يمكن للصين وروسيا استخدام علاقاتهما مع الأطراف المعنية لدعم التهدئة، وتشجيع الالتزام بالاتفاقات، وتقريب المواقف. لكن نجاح هذا الدور يجب أن يُقاس بنتائجه العملية، لا بمجرد التصريحات: هل انخفض التصعيد؟ هل تحسنت فرص التفاوض؟ هل أصبحت الملاحة أكثر أمنًا؟ وهل ظهرت ضمانات تمنع تكرار المواجهة؟

ولا يمكن إعفاء الولايات المتحدة وإيران وسائر الأطراف المؤثرة من مسؤوليتها المباشرة. فالدبلوماسية لن تنجح إذا طُلب من طرف واحد تقديم التنازلات، بينما يحتفظ الآخرون بحرية التصعيد من دون ضوابط.

كما ينبغي أن تشارك دول المنطقة في صناعة التسوية، بدل أن تكون مجرد ساحات لتبادل الرسائل بين القوى الكبرى. فاستقرارها وسيادتها وأمن مجتمعاتها مصالح أساسية لا يمكن تجاوزها عند تصميم أي اتفاق.

وأخيرًا، يجب ألا ينفصل المسار السياسي عن المسار الاقتصادي والإنساني. فحماية وصول الغذاء والطاقة والسلع الأساسية، ومساندة الاقتصادات الأكثر هشاشة، واستمرار الخدمات العامة، كلها عناصر تساعد على منع انتقال الحرب إلى أزمة اجتماعية طويلة الأمد.

إن التسوية المستدامة لا تقوم على وقف القتال وحده، بل على بناء ظروف تجعل العودة إليه أقل احتمالًا، وتمنح الدول والمجتمعات فرصة لاستعادة الثقة والاستقرار.

المسؤولية الدولية: النفوذ ليس امتيازًا فقط، بل التزام أيضًا

غالبًا ما تُقاس قوة الدول بحجم قدراتها العسكرية، واتساع نفوذها، وقدرتها على التأثير في قرارات الآخرين. لكن الأزمات الكبرى تفرض معيارًا آخر لا يقل أهمية: هل تستطيع هذه الدول استخدام قوتها لمنع الكوارث، أم أنها تكتفي بإدارة المخاطر ما دامت لا تمس مصالحها المباشرة؟

لا يعني ذلك تجاهل التنافس الدولي أو افتراض أن القوى الكبرى ستتخلى عن مصالحها. فالعلاقات الدولية تقوم على توازنات ومصالح حقيقية، والخلافات الأمنية لا تُحل بالنوايا الحسنة وحدها.

لكن المصالح نفسها قد تُحمى بصورة أكثر استدامة عندما تتوافر ترتيبات تمنع الحرب، وتحفظ حرية الملاحة، وتقلل احتمال المواجهة المباشرة، وتمنح الأطراف ضمانات يمكن التحقق منها.

وقد تتمكن دولة من تحقيق مكسب مؤقت عبر إضعاف خصمها أو استثمار انشغاله، لكن هذا المكسب قد يفقد قيمته إذا أدى إلى اضطراب اقتصادي واسع أو أزمة أمنية تتجاوز قدرة الجميع على التحكم فيها.

وهنا تكمن مسؤولية القوى الكبرى: ألا تجعل من معاناة الشعوب وسيلة لتحسين المواقع التفاوضية، وألا تتعامل مع استمرار الحرب باعتباره نتيجة مقبولة ما دامت الخسائر تقع بعيدًا عن حدودها.

إن القيادة الدولية لا تُثبتها القدرة على فرض الشروط وحدها، بل القدرة على بناء ترتيبات تحمي المصالح المشروعة وتمنع الخلافات من التحول إلى صراع مفتوح.

الخلاصة: من يملك القوة، ومن يملك الشجاعة لإنهاء الحرب؟

إن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، ولا اختبارًا للعلاقة بين الصين وروسيا. إنها امتحان لقدرة النظام الدولي على احتواء أزمة تتشابك فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والأمنية، من دون السماح لها بالتحول إلى مواجهة أوسع يدفع ثمنها العالم بأسره.

قد تسعى واشنطن إلى حماية مصالحها الأمنية ونفوذها، وقد تحاول طهران الحفاظ على قدرتها على الردع وموقعها الإقليمي، بينما تعمل بكين وموسكو على حماية مصالحهما وتعزيز حضورهما الدولي. لكن هذه الحسابات، مهما اختلفت، تصطدم بحقيقة لا تستطيع أي قوة تجاهلها: كلما اتسعت الحرب، تراجعت قدرة الأطراف على التحكم في نتائجها، وارتفعت الكلفة التي تتحملها الشعوب والاقتصادات.

ولا يمكن بناء سلام مستدام على الاتهامات غير المثبتة، أو على الرهان على إنهاك الخصم، أو على الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده قادر على حسم جميع الخلافات. فالسلام يحتاج إلى إرادة سياسية، وضمانات قابلة للتحقق، ومشاركة إقليمية مسؤولة، واستعداد متبادل لمعالجة أسباب النزاع.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم ليس فقط: هل تساعد الصين وروسيا إيران؟ بل: هل تستطيع القوى الكبرى تحويل نفوذها إلى ضمانات توقف الحرب، أم ستستخدم هذا النفوذ لإطالة الصراع وتحسين مواقعها التفاوضية على حساب أمن المنطقة والاقتصاد العالمي؟

والسؤال الأعمق هو: ما قيمة النفوذ الدولي إذا لم يُستخدم لمنع كارثة يمكن تجنبها؟ وما قيمة الانتصار العسكري إذا ترك وراءه منطقة أكثر خوفًا، واقتصادًا أكثر هشاشة، وشعوبًا أقل قدرة على بناء مستقبلها؟

إن الاختبار الحقيقي للقوة ليس في القدرة على إطالة المواجهة أو رفع كلفة الخصم، بل في القدرة على فتح طريق واقعي لإنهائها، وبناء ضمانات تمنع تجددها، وحماية الإنسان من دفع ثمن صراع لم يختره.

فالعالم لا يحتاج إلى قوة كبرى جديدة تثبت قدرتها على إدارة الحرب، بقدر ما يحتاج إلى قوى تثبت قدرتها على إنهائها.

شمس اليوم ; قسم الشؤون السياسية والاقتصاد والتحليل الاستراتيجي

 

 

مقالات ذات صلة