سامي يوسف في قرطاج 2026… ليلة تحول فيها المسرح الأثري إلى فضاء للروح والسلام
الفنان العالمي يخطف قلوب جمهور مهرجان قرطاج الدولي بعرض موسيقي جمع بين الهوية التونسية، الروحانيات، ورسالة الفن الإنساني

بقلم: أم السعد نصر
لم تكن سهرة الفنان العالمي سامي يوسف، مساء السبت 1 أوت 2026، ضمن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، مجرد موعد موسيقي جديد في برنامج المهرجان، بل كانت تجربة إنسانية وفنية استثنائية، جعلت من المسرح الأثري بقرطاج فضاءً نابضًا بالمشاعر، حيث التقت الموسيقى بالتاريخ، والشعر بالروح، والإنسان بالإنسان.
منذ صعوده إلى الركح، أكد سامي يوسف أن حضوره لا يختزل في صورة “نجم عالمي”، بل في فنان يحمل مشروعًا يتجاوز حدود الأغنية والحفل التقليدي. جاء ليقدم رؤية فنية تقوم على الإحساس والتأمل والحوار بين الثقافات، فكان هدفه صناعة لحظة مشتركة مع الجمهور لا مجرد تقديم عرض موسيقي.
ومع انطلاق النغمات الأولى، بدا أن آلاف الحاضرين في المسرح الأثري يعيشون حالة واحدة من الانسجام. ففي هذا المكان الذي يحمل ذاكرة حضارات متعاقبة، قدم سامي يوسف رحلة موسيقية عابرة للحدود، جمعت بين المقامات العربية، والشفافية الفارسية، والتوزيع الأوركسترالي الغربي، وإيقاعات المتوسط وآسيا الوسطى والبلقان.
لم يكن هذا المزج مجرد تنوع موسيقي، بل كان تعبيرًا عن هوية فنية خاصة استطاع سامي يوسف بناءها على مدى أكثر من عشرين عامًا، هوية تؤمن بأن الموسيقى لغة مشتركة قادرة على التقريب بين الشعوب والثقافات.
المرقوم التونسي… حضور الهوية داخل المشهد العالمي
أضاف الحضور البصري للعرض بعدًا خاصًا، حيث توشح الركح بالمرقوم التونسي، في إشارة فنية ذكية إلى ارتباط التجربة العالمية للفنان بروح المكان وخصوصية الثقافة التونسية.
تحول النسيج التقليدي إلى جزء من الصورة الفنية، كما لعبت الإضاءة والسينوغرافيا دورًا مكملًا للموسيقى، لتصبح كل تفاصيل العرض لغة بصرية تحكي عن الجمال والانتماء والانفتاح.
“مدد”… لحظة روحانية جمعت الفنان بالجمهور
كانت لحظة أداء “مدد” من أكثر اللحظات تأثيرًا خلال السهرة. بصوته الهادئ والعميق، نقل سامي يوسف الجمهور إلى حالة من التأمل، قبل أن تأتي الاستجابة من المدرجات بشكل عفوي.
ارتفعت الأصوات وردد الحاضرون الكلمات بإحساس واحد، واختفت المسافة بين الركح والجمهور، ليصبح الجميع جزءًا من مشهد موسيقي جماعي يحمل الكثير من الروحانية.
من قرطاج إلى فلسطين… الموسيقى تحمل رسالة إنسانية
لم تقتصر السهرة على الجانب الروحي والجمالي فقط، بل حمل سامي يوسف رسالة إنسانية عندما استحضر معاناة الشعب الفلسطيني، مستعيدًا كلمات الشاعر محمود درويش:
“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”
ساد الصمت للحظات في المسرح، قبل أن يتحول إلى تصفيق وتفاعل قوي يعكس تضامن الجمهور مع القضايا الإنسانية العادلة.
في تلك اللحظة، لم تعد الموسيقى مجرد أداء فني، بل أصبحت وسيلة للتعبير عن الألم والأمل، وعن قدرة الفن على إيصال رسائل تتجاوز اللغات والحدود.
أصوات متعددة… وفلسفة تقوم على الحوار بين الثقافات
زاد حضور الفنانين إسماعيل بوجية ونبيلة معان من المغرب، والإسباني إسرا مورو، العرضَ ثراءً وتنوعًا، حيث التقت أصوات وثقافات مختلفة في مشهد يجسد فلسفة سامي يوسف القائمة على التقارب والتفاعل الحضاري.
فالموسيقى بالنسبة إليه ليست جدارًا يفصل بين الشعوب، بل جسرًا يفتح مساحة للحوار والتفاهم.
“حسبي ربي”… أغنية مازالت تسكن ذاكرة الجمهور التونسي
وعندما انطلقت كلمات “حسبي ربي”، أثبت الجمهور التونسي أن هذه الأغنية مازالت حاضرة بقوة في وجدانه.
تحول المسرح الأثري إلى صوت واحد يردد الكلمات بانسجام كبير، في مشهد كشف عن العلاقة الخاصة التي تجمع سامي يوسف بجمهوره، وعن قدرة بعض الأعمال الفنية على تجاوز الزمن والبقاء في الذاكرة.
سامي يوسف… مشروع فني يتجاوز حدود الموسيقى
على امتداد أكثر من عقدين، نجح سامي يوسف في بناء تجربة مختلفة لا تعتمد على الانتشار فقط، بل على العمق الفني والفكري.
فهو لا يحاول فقط الجمع بين الشرق والغرب، بل يصنع مساحة جديدة تلتقي فيها المقامات الشرقية مع الهارموني الغربي، والتصوف مع الموسيقى المعاصرة، والشعر مع الفلسفة.
وفي زمن أصبحت فيه السرعة والاستهلاك يطغيان على المشهد الفني، جاءت سهرة قرطاج لتؤكد أن الموسيقى الحقيقية مازالت قادرة على منح الإنسان لحظة إصغاء وتأمل، وأن قيمة الفن تقاس بقدرته على لمس القلب وترك أثر دائم.
غادر جمهور قرطاج المسرح الأثري تلك الليلة وهو لا يحمل ذكرى أغنية فقط، بل إحساسًا بأنه عاش تجربة استثنائية.
فبعض الفنانين لا يقدمون حفلات فقط… بل يصنعون لحظات تبقى في الذاكرة.










