لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد
بقلم : أمين السكافي
في اللحظات التي يضيق فيها الأفق حتى يكاد يطبق على الصدر، ويبلغ فيها الألم حدَّه الذي لا يُحتمل، يقف الإنسان عارياً من كل أسباب القوة، إلا من يقينه. هناك، في تلك الحافة الفاصلة بين الرجاء والانكسار، انطلقت صرخة نبيٍّ كريم، لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مرآةً لوجعٍ إنسانيٍّ خالد: «لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد».
إنها حكاية نبي الله لوط عليه السلام، حين وجد نفسه محاصراً بقومٍ استقالوا من فطرتهم، وتمرّدوا على كل معنى للإنسانية. لم يكن ضعفه ضعف عقيدة، بل كان ضعف الجسد حين يُثقل بحمل الرسالة، وضعف الفرد حين يتكالب عليه جمعٌ فقد بوصلته. كان وحده، نعم، لكنه لم يكن خاوياً؛ كان ممتلئاً بالإيمان، مشبعاً بالحق، غير أن الحق في لحظةٍ ما قد يبدو غريباً، وحيداً، مستضعفاً.
أحاط به قومه كإعصارٍ أعمى، لا يسمع نداءً، ولا يستجيب لرجاء. أرادوا أن ينتهكوا حرمة ضيوفه، وهم في حقيقتهم ملائكة الرحمن، فجعل لوط عليه السلام من جسده سداً، ومن صوته حصناً، يناشدهم، يذكّرهم، يستبقي فيهم بقية إنسان، لكنهم أبوا إلا أن يغرقوا أكثر في ظلامهم. وهنا، عند الذروة، حيث تنكسر كل الوسائل الأرضية، وتتهاوى أسباب الدفع، خرجت صرخته: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد.
لم تكن صرخة يأس، بل صرخة إنسانٍ أدرك حدود قدرته، فاشتاق إلى سندٍ يردع الطغيان. ولذلك جاء قول النبي محمد ﷺ ليكشف البعد الأعمق: «يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد»، أي إلى الله. كأن الحقيقة الكبرى التي تُخفى خلف الألم، أن الركن الذي يُطلب في الأرض، قائمٌ في السماء، لا يغيب، وإن غاب عن الأبصار.
غير أن القصة، في امتدادها الإنساني، لا تتوقف عند حدود الغيب، بل تنفتح على واقعٍ يتكرر. كأن لوطاً عليه السلام لم يزل واقفاً، ولكن هذه المرة في أرض فلسطين؛ في عيون طفلٍ يبحث عن أمان، في يد أمٍّ تحاول أن تحجب الموت عن صغارها، في شيخٍ يواجه الدمار بثباتٍ يشبه المعجزات. هناك أيضاً، يُحاصر الحق، ويُستضعف أهله، وتُرفع الصرخة ذاتها، وإن اختلفت الألسن: لو أن لنا بكم قوة… لو أن لنا ركناً شديداً.
إنها صرخة لا تحمل استسلاماً، بل تحمل استنفاراً أخلاقياً، نداءً يتجاوز الحدود والجغرافيا، موجهاً إلى أمةٍ كان يُفترض أن تكون درعاً، وإلى عالمٍ يدّعي العدالة. لكن، وكما في قصة لوط، لا يكون الغياب مطلقاً. فثمة من سمع النداء، لا بأذنه، بل بضميره، فلبّى. ثمة من قال، بفعله لا بشعاره: نحن الركن الشديد.
هناك من تحمّل الكلفة، وقَبِل أن يدفع الثمن، واختار أن يكون في صفّ الحق لا في هامش المتفرجين. أولئك الذين أدركوا أن النصرة ليست موقفاً عابراً، بل قدرٌ يُصنع، وأن الوقوف مع المظلوم ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية تُعيد للإنسان معناه.
وهكذا، تمتدّ القصة بين زمنين، لكنها في حقيقتها زمنٌ واحد: صراعٌ لا ينتهي بين نورٍ يُقاوم، وظلامٍ يتمدّد. وبين صرخة لوط التي استدعت نصراً من السماء، وصرخة فلسطين التي تستنطق ضمير الأرض، يبقى الركن الشديد حاضراً… لمن أراد أن يكونه، أو لمن آمن أنه موجود.
وفي ختام الحكاية، لا يبقى إلا السؤال الذي يطارد التاريخ: كم من صرخةٍ يجب أن تُسمع، قبل أن يدرك العالم أن المظلوم حين يقول «لو أن لي بكم قوة»، إنما يختبر إنسانية من حوله، لا ضعفه ؟










