مقالات

رفيق الحريري: “الدم المحرّم” الذي زلزل عروش الشر

*بقلم: ناجي علي أمهز*
في دهاليز الحكم وأروقة السياسة، ثمّة ثوابت هي أخطر ما توصلت إليه البشرية في فهم آليات الزعامة والحكم وبقاء الدول. ليست القوة العسكرية وحدها ما يحمي التيجان، بل هي “نواميس” غير مرئية تحكم علاقة القائد بالقدر. هذه الحقيقة هي ما غرسها أرسطو في وجدان تلميذه الإسكندر المقدوني؛ حين أهداه نسخة “إلياذة هوميروس” التي صححها بيده، ليتوسدها الإسكندر بجانب خنجره كدستور للشجاعة، وأوصاه بوصيته الخالدة: “يا بني، إن العدل أساس بقاء الدول، والملك العادل هو من يملك القلوب قبل الأجساد”.

إن فلسفة العدل، كما تشرحها التعاليم “الهرمسية” العميقة، ليست مجرد إنصاف للرعية، بل هي درع يحمي القائد نفسه. فالظالم حين يتجاوز حدود “العدالة الكونية”، يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع قوى الغيب، فيسقط تحت وطأة بلاء عظيم لا نجاة منه حتى بالموت. ولعل المشهد الأكثر رعباً في تاريخنا هو نهاية “الحجاج بن يوسف الثقفي”، الذي ظن أن سيفه طوع أمره، حتى اصطدم بعالم التابعين سعيد بن جبير.

في تلك المواجهة، سأل الحجاجُ سعيداً باستهزاء: “أي قتلةٍ أقتلك؟” فأجابه سعيد بيقين العارفين: “اختر لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها في الآخرة”. ومنذ تلك اللحظة، لم يذق الحجاج طعم النوم، وظل يهذي حتى موته: “ما لي ولسعيد بن جبير؟!”.

هنا ولدت نظرية “الدم المحرّم”؛ وهو ذاك الدم الذي بسفكه تنتهي كيانات، وتنهار إمبراطوريات. لقد أدركت القوى الكبرى سر هذا الدم، فأصبحت ترصد أصحابه وتهابهم. حتى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، كان يرى في الإمام الخميني “صاحب دم محرم”، يخشى ذبذباته الميتافيزيقية التي قد تزلزل أمريكا، وهو ذاته السر الذي جعل فرنسا توفر له الحماية لتبرر لنفسها وللعالم تلك الهالة الغيبية المحيطة به.

وفي نسيج الشرق الأوسط المعقد، برزت فئات حملت “حصانة الدم”؛ فالدروز، رغم قلة عددهم، بقوا محميين بفضل هذا السر. والموارنة نالوا “تحريم دمهم” منذ رسالة لويس الرابع عشر عام 1649، لكنهم فقدوا تلك الحصانة حين انخرطوا في أتون الحرب الأهلية.

وعلى سيرة “حماية الكيانات”، لا يزال العالم يبحث في لغز استجابة واشنطن لطلب الرئيس كميل شمعون عام 1958. حينها، سخر الكثيرون من طلبه إرسال قوات أمريكية خلال 48 ساعة “الرسالة تحتاج لاكثر من 48 ساعة لتصل”، لكن المفاجأة كانت في تحرك الأسطول فوراً بقرار من الرئيس الذي رأى في شمعون نموذجاً ملهماً. وحين سُئل رزفلت عن درجته الماسونية قال (32)، قيل له رئيس امريكا ولم تصل الى الدرجة “33” قال هناك ما هو أعقد من المناصب؛ إنه “حكم نخبة الحكمة” الذي يتجاوز الشعوب ليصل إلى النخب التي تدير العالم.

وفي سوريا، كان “فارس الخوري” هو المظلة التي حمت البلاد بحكمته، وحين حاول العسكر استمالته قال جملته الشهيرة: “لقد فتحتم باباً على سوريا يصعب على التاريخ رده”. وفعلاً، بموته انفتحت أبواب الانقلابات والتحولات الكبرى. كذلك فعل حافظ الأسد حين احتمى بـ “رجل الظل” حكمت الشهابي، الذي ظل مظلة حامية لنظام بشار الأسد حتى مرضه 2009 ووفاته عام 2013، لترفع برحيله المظلة الحقيقية عن سوريا.

أما في لبنان، فالطائفة الشيعية تتكئ على حماية ربها ووعورة الجغرافيا لتحمي نفسها، كما كان الموارنة قبل اعلان حماية “دمهم” سياسياً ودولياً.

وفي هذا السياق، يبرز الرئيس الشهيد رفيق الحريري كأعظم تجلٍ لـ “الدم المحرّم” في العصر الحديث. كان حافظ الأسد يدرك تماماً هذه الخصوصية، ويحرص عليها كما يحرص على وليد جنبلاط، لكن ابنه بشار لم يستوعب هذه الدروس العميقة في آليات الحكم. ظن بشار أن البطش والقوة المطلقة هي السبيل، فسقط في المحظور، وبسفك دم الحريري، سطر نهاية حكم عائلة الأسد في وجدان التاريخ، ولم يعد لهم مكان في المستقبل.

لقد فهم بشار الرسالة متأخراً جداً، فانسحب من لبنان تحت ضغط “الدم الذي يغلي”، مفرطاً حتى بما منحه إياه اتفاق الطائف ببقاء القوات السورية في البقاع.

إن ما شهده العالم العربي من زلازل، وما نراه اليوم من تحولات، يجد جذوره في تلك اللحظة الفارقة: 14 شباط 2005.
لقد كان رفيق الحريري هو الإعصار الذي أعاد لبنان إلى الخارطة الدولية واعماره بعد دمار بمئات بمليارات الدولارات، وهو الذي هندس دوليا تحرير الجنوب الى جانب المقاومة، وهو الذي أثمر دمه “تحريراً” للبنان من الوصاية السورية.

إن اغتياله كان المسمار الأخير في نعش النظام السوري في لبنان، والأساس لسقوط منظومة بكاملها.

يبقى 14 شباط 2005 نقطة فاصلة؛ رسالة لكل زعيم وسياسي بأن ميزان العدالة الكونية لا يخطئ، وأن “الدم المحرم” حين يسفك، لا يغسله إلا سقوط العروش وتغير وجه التاريخ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى