
إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
لم تعد الاحتجاجات في إيران شأنًا داخليًّا محضًا يمكن فصله عن مُحيطه الجُغرافي والسياسي ، بَلْ تحوَّلتْ بِحُكم موقع إيران وثقلها الديمغرافي والعسكري والأيديولوجي ، إلى عامل إقليمي بالغ التأثير . وكُلُّ اهتزاز داخلي في بُنية الدَّولة الإيرانية ينعكس بدرجات مُتفاوتة على توازنات الشرق الأوسط ، حيث تتشابك المصالح ، وتتقاطع الصراعات ، وتُبنَى السياسات على افتراض استقرار أو اضطراب طَهْران .
إيران ليست دَولةً عادية في الإقليم ، فهي لاعب محوري في ملفات تمتدُّ من الخليج العربي إلى شرق المتوسط ، ومن آسيا الوُسطى إلى البحر الأحمر . نفوذها لا يقوم فقط على قوتها العسكرية أو عدد سكانها ، بَلْ أيضًا يقوم على شبكة مُعقَّدة من التحالفات والأذرع السياسية والعسكرية العابرة للحدود . لذلك ، فإنَّ أيَّة احتجاجات واسعة النطاق تهزُّ الداخل الإيراني تضع هذا الدَّوْرَ موضع تساؤل ، وتفتح البابَ أمام إعادة حِسابات إقليمية شاملة .
أحد أبرز الانعكاسات الإقليمية لاحتجاجات إيران يتمثل في وضع حلفاء طهران . هذه القُوى _ سَواءٌ كانتْ دُوَلًا أو حركات سياسية ومُسلَّحة _ تعتمد بدرجات مُختلفة على الدعم الإيراني المالي أو السياسي أو العسكري . وفي حال تصاعدت الاحتجاجات ، فإنَّ القيادة الإيرانية سوف تُضْطَر إلى إعادة ترتيب أولوياتها ، وهذا سَيُؤَدِّي إلى تقليص الموارد المُخصَّصة للخارج لصالح تثبيت الداخل .
هذا الواقعُ يصنع قلقًا متزايدًا لَدى الحُلَفاء ، ويَدفع بعضَهم إلى البحث عن بدائل ، أوْ تعزيز استقلاليتهم السياسية والعسكرية . وفي حالات أُخرى ، قد تسعى هذه الأطراف إلى تشديد قبضتها الداخلية خشية انتقال عَدوى الاحتجاج، خاصَّة أنَّ الخِطاب الاحتجاجي في إيران يَحمِل في طَيَّاته رسائل في غاية الأهمية والخطورة، مثل المُطالبة بالعدالة الاجتماعية ، ومُساءلة السُّلطة ، ورفض الفساد .
احتجاجات إيران لا تُقْرَأ فقط من زاوية الصراع بين السُّلطة والمُعارَضة ، بَلْ مِن زاوية رمزية أعمق ، فهي تبعث برسائل قوية مُفَادها أن الدَّولة القوية أمنيًّا ليست بِمَنأى عن الغضب الشعبي ، وأنَّ الشرعية لا يُمكِن أن تقوم إلى الأبد على القمع ، أو الخِطابِ الأيديولوجي وحده .
السيناريوهات المستقبلية لاحتجاجات إيران متعددة ، وكُلٌّ مِنها يحمل تأثيرات إقليمية مُختلفة . واستمرارُ الاحتجاجات دون تغيير جذري قد يُؤَدِّي إلى إنهاك داخلي يحدُّ من قُدرة إيران على المُبادرة الخارجية . أمَّا نجاح السُّلطة في احتوائها بالقوة أو بالإصلاح الجُزئي ، فقد يُعيد إنتاجَ الاستقرار ، لكنْ بثمن سياسي واجتماعي أعلى ، مِمَّا يَجعل أيَّ استقرارٍ هَشًّا وقابلًا للانفجار مُجَدَّدًا .
في المُقابل ، فإنَّ أيَّ تحوُّل سياسي عميق داخل إيران _ مهما كان شكله _ سيعيد رسمَ خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط ، ورُبَّما يفتح البابَ أمام مرحلة جديدة تَتغيَّر فيها أولويات الصراع مِنْ مَنطق الهَيمنة الإقليمية إلى مَنطق التَّنمية والاستقرار الداخلي .










