خطبة الجمعة من المسجد النبوي

الاحساء- زهير بن جمعة الغزال
أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن البعيجان بالتفكر في نعم الله تعالى، والمداومة على شكرها لتدوم ويعمّ خيرها ونفعها، مبيّنًا أن من أجلّ تلك النعم نعمة الماء ونزول الغيث الذي هو سبب لحياة الكائنات على اختلافها وكثرتها.
وأوضح الشيخ الدكتور عبدالله البعيجان في خطبة الجمعة من المسجد النبوي اليوم أن الماء نعمة من أعظم النعم، فهو أصل تكوين كل كائنٍ حيّ، قال تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي”، فالماء هو قوام الحياة، وعنصر البيئة الذي تحتاج إليه جميع الكائنات، فلا يستغني عنه الإنسان والحيوان والنبات، قال تعالى: “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.
وأضاف إمام وخطيب المسجد النبوي أن الماء هو وسيلة الطهارة التي هي شطر الإيمان، وشرط الصلاة، وكثيرٌ من العبادات، فيه يكون الوضوء والغُسل، قال تعالى: “وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا”، وقال تعالى: “وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ”.
وأوضح الشيخ عبدالله البعيجان أن المطر نعمة من أعظم النعم التي تستوجب الشكر، إذ جعل الله تعالى للمطر أجلًا بقدر، وموسمًا يُنتظر، قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ”.
وقال سبحانه: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”.
وبيَّن فضيلته أن المطر إذا تأخر اشتدّ بالناس الهول والخطب، وحل بهم القحط والكرب، وهلكت الزروع والأشجار، وجفّت العيون والآبار، ولقد حلّ القحط بالناس والأنبياء بين أظهرهم، فأرشدوهم إلى أسباب رفع الضرّ وكشف البلاء، وأخذ الله أقوامًا بالسنين، ونقصٍ من الثمرات لعلهم يذّكرون، لكن نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- سأل الله أن لا يُهلك أمته بالسنين، فأعطاه سؤله، قال تعالى: “وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ”.
وقال إمام وخطيب المسجد النبوي أن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعباده الخير تنزّلت الرحمات، فأغاث العباد، وارتوت البلاد، وأخذت الأرض زخرفها، وازدانت واستهلت تباشير الفرح وعمّت، مبينًا أن شكر النعم واجب، وهو سبب لبقائها ودوامها، وأن من تمام شكر هذه النعم أن تقابل بحمدٍ صادق، وطاعةٍ خالصة، فإن النعم إذا شُكرت دامت وزادت، وإذا كُفرت نُزعت وزالت، قال تعالى: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ”.
وحثّ الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البعيجان على لزوم حمدِ الله على هذه الرحمة العظيمة التي عمّ نفعها، ووسع خيرها، فجاءت في وقت الحاجة، فانتعشت بها الزروع، وفرحت القلوب، فنسأله دوام فضله، ونحمده سبحانه على ما أنزل علينا من الغيث والمطر، وعلى ما جعل فيه من بركة وخير وأثر، فقد سقى به البلاد، وأحيا به الأرض، وأنعش به القلوب.
وذكر أن من شكر النعم أن تُنسب إلى الله المُنعم بها، وأن تُقابل بطاعته، وأن تُبذل في ما يرضيه، وأن تكون سببًا للتوبة والإنابة إليه، وترك الذنوب والمعاصي والرجوع إليه، والإكثار من الاستغفار، فإن ذلك سببٌ لدوام النعم، ونزول البركة، ونزول المطر، إذ قال الله تعالى: “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا”.
واختتم إمام وخطيب المسجد النبوي خطبة الجمعة مُذكرًا بأن الغيث آية عظيمة من آيات الله يذكر بقدرته البالغة وحكمته النافذة، وأن في نزوله عبرة وعظة، وفيه رسالة إيمانية توقظ القلوب، وتُذكّر بالموت والفناء، والبعث والحساب والجزاء، فما يُحدثه المطر في الأرض الجرداء من حياة بعد موت، وثبات بعد يبس، ورخاء بعد شدة، دليل حسيّ يذكر بالموت والبعث، فبعد أن كانت الأرض هامدة جدباء، إذا بها تهتز وتربو وتخرج من كل زوج بھیج، فقال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.










