هيبة وكرامة وأمن أوروبا في قبضة دونالد ترامب!

د. عدنان منصور*
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي عبّر فيها عن عزمه على ضمّ جزيرة غرينلاند لبلاده، شكّلت صدمة قويّة للزعماء الأوروبيين الذين أكدوا أنّ الجزيرة
“تعود ملكيتها إلى شعبها”.
أهمية غرينلاند، بكونها تشكل ساحة ارتكاز استراتيجي حاسم في التوازنات الدولية في القطب الشماليّ، لا يمكن التفريط به، وهو القطب الذي يشهد تنافساً حاداً عليه بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، من ناحية النفوذ العسكري، والثروات الطبيعية، والممرات البحرية، فيما غرينلاند تشكل موقعاً جغرافياً حساساً، يربط بين أميركا الشمالية وأوروبا، ويتحكم بالممرات البحرية القطبية.
غرينلاند هي الخاصرة الشمالية للأمن القومي الأوروبي، حيث يوجد على أرضها منظومات الإنذار المبكر لحلف شمالي الأطلسي، كما تختزن في باطنها ثروات طبيعية هائلة من المعادن الاستراتيجية النادرة، والطاقة، وغيرها من الثروات.
الثلاثة الكبار، الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، جعلوا من القطب الشماليّ ساحة تنافس وصراع عليه، كلّ حسب هدفه. واشنطن تعتبر القطب جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، وتقف في وجه أيّ اختراق روسي أو صيني له، إذ ترى في غرينلاند دعامة وركيزة عسكرية استراتيجية لها. من جهة أخرى خطت روسيا خطوات متقدّمة في مجال عسكرة القطب الشمالي الذي تعتبره عمقاً استراتيجياً لها، ومصدر ثروات لا يمكن التغاضي عنها، لذا تعمل على فرض وجودها على المدى الطويل. أما استراتيجية الصين، فتهدف إلى بسط نفوذها غير المباشر من خلال الأبحاث والاستثمارات، وإنشاء البنى التحتية، والوصول إلى الثروات، وكسر الهيمنة الغربية على القطب.
لكن ماذا عن الاتحاد الأوروبي الذي هو في صلب الصراع والمنافسة على القطب الشمالي، وماذا عن التداعيات المباشرة عليه، في حال ضمّ غرينلاند للولايات المتحدة قسراً وبالقوة؟! ألا يشكل هذا تحدياً سافراً ومباشراً لسيادة أوروبا وأمنها القومي، ويقوّض مفهوم الأمن الجماعي، والاقتصادي الأوروبي، والسيادة، والحوكمة الدولية؟! هل سيلجأ الاتحاد الأوروبي، وهو في مواجهة سياسة ترامب الهادفة إلى الاستيلاء غير القانوني على غرينلاند، إلى اتباع سياسة أوروبية استراتيجية موحدة، خاصة في القطب الشمالي، وتعزيز الشراكة مع غرينلاند عبر المؤسسات مع الدنمارك، وترسيخ حضوره الأوروبي الفاعل على الصعيد الاقتصادي والعلمي، والقانوني، والتنسيق مع الناتو دون أن يتراجع ويتلاشى الدور الأوروبي؟! هل سيدافع الاتحاد الأوروبي بكلّ قوة عن مبدأ عدم تغيير الحدود عن طريق القوة، ويثبت دوره كفاعل قطبي غير مهمّش أو ثانوي، على اعتبار أنّ غرينلاند ليست مسألة تنحصر بالدنمارك وحدها؟!
غرينلاند تختبر وتضع على المحك، مكانة وهيبة وكرامة الاتحاد الأوروبي، ولمعرفة ما إذا كان سيدافع عن سيادته،
ومكانته وحضوره على الساحة الدولية، أم أنه سيتكل بالكامل على الناتو، ويضع مصيره بين يديه، وهو يعتمد الحياد السلبي حيال دولة هي عضو في الاتحاد الأوروبي؟! إنّ حياده السلبي سيجعله يفقد استقلاليّته، ويترك المجال للقوى الخارجيّة أن تفعل ما تشاء في القطب الشمالي الذي أصبح منطقة استراتيجية متقدمة، ليس بالأمر السهل التفريط به.
إذا كان الاعتماد الشديد على الناتو يضمن لأوروبا أمناً عسكرياً، إلا أنه يضعف دورها السياسي المستقل. وإذا كان الأمن الأوروبي الشمالي لا يمكن فصله عن الناتو، لكن لا يجوز للناتو أن يختزل من جانبه الأمن الأوروبيّ.
شهيّة الرئيس ترامب على غرينلاند مردّها إلى أهميّة ثرواتها النادرة، إذ تحتوي الجزيرة على عناصر معدنيّة حيويّة، وموارد أساسيّة للتكنولوجيا، والدفاع، وهي ضرورية للصناعات الخضراء، وللاستخدام التكنولوجي الأوروبي، إذ أصبحت هذه المعادن جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والاقتصادي لأوروبا. إنّ امتلاك أوروبا لهذه المعادن يجعلها أن لا تعتمد على مصادر بديلة غير مستقرة، لأنّ فقدانها السيطرة على هذه الثروات سيعمّق تبعيّتها للخارج ويعرّضها للابتزاز.
إذا حصل الاستيلاء على غرينلاند، فإنّه سيشكّل وضعاً خطيراً يتعارض كليّاً مع ميثاق الأمم المتحدة، ومع مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما أنّ أيّ تغيير قسريّ للوضع في غرينلاند، سيهدّد الاستقرار العالميّ، ويشكل ضربة قويّة لمنظومة القواعد الدوليّة السائدة، ليمتدّ أثره في ما بعد إلى بحر البلطيق والشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبيّ.
تبقى غرينلاند اختباراً جدياً لقدرة أوروبا على الربط بين الأمن والدفاع والاقتصاد والقانون الدولي ضمن رؤية استراتيجية واحدة، لأنّ فشل أوروبا في هذا المجال، وفقدانها لسياسة أوروبية قطبيّة موحّدة، سيضع الاتحاد الأوروبيّ في دائرة التبعية الأمنية للولايات المتحدة،
وسيجعل اقتصاده هشاً، ويكشف عن مدى ضعفه.
حينها سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه ساحة تنافس، بدلاً من أن يكون فاعلاً استراتيجياً مهماً.
أن يصل التعاطي الأميركي مع أوروبا بأسلوب الآمر الناهي، والاستعلاء والاستخفاف والاستهزاء، لهو مشين ومعيب، ويحطّ من كرامة أوروبا. وما تصريحات ترامب الأخيرة الذي استهزأ فيها بالرئيس الفرنسي ماكرون، وسخر منه بطريقة غير مسبوقة، وبإهانة تفوق الوصف، ليدلّ بوضوح على مدى خضوع فرنسا ودول أوروبا للقرار الأميركيّ دون رفض أو اعتراض أو تحفّظ.
كيف يمكن للاتحاد الأوروبي الذي يضمّ 500 مليون نسمة، وناتجه القوميّ البالغ 19 تريليون دولار وهو الثاني عالمياً بعد الناتج القوميّ الأميركيّ، ولديه موازنة عسكرية بلغت 381 مليار دولار عام 2025، وقدرات علمية، ومعرفية وتكنولوجية متقدمة، ولا يستطيع أن يحقق أمنه وحده؟! بل يؤثر أن يظلّ تابعاً لأميركا، وإنْ كلفه ذلك التنازل عن قراره السيادي، والرضوخ للقرارات التي يفرضها الأميركي على دوله. هنا نستعيد الذاكرة لنقول: هل كان الرئيس شارل ديغول ليقبل بهذا التعاطي مع دولة مثل فرنسا، وبهذه السخرية والأهانة التي رضي بها ماكرون؟!
أوروبا كلها اليوم على المحك، وما غرينلاند إلا الاختبار لصلابة ووحدة أوروبا، فإنْ لم تتخذ قراراً موحداً شجاعاً يحافظ على سيادتها وكرامتها، وهيبتها، وأمنها القومي، فإن هالة الاتحاد وصورته ستهتزان وتتراجعان مع الوقت، ويصبح مستقبله بالتالي عرضة لتباين المواقف، والخلافات والتفكك، وهذا ما يريده ويعوّل عليه أكثر من طرف في العالم!
هل سيتدارك الاتحاد الأوروبي ما ينتظره من إجراءات أميركيّة لاحقة قد تنال من استقلالية قراراته، وسيادته وأمنه القومي؟!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق










