أخبار العالم العربيمقالات

من وساطة طهران إلى اتفاق يمنع الحرب الإقليمية: هل يمكن إنقاذ الرياض وصنعاء وممرات العالم من التصعيد؟

شمس اليوم ; قسم الاقتصاد والتحليل الاستراتيجي

لا تكمن أهمية المبادرة الإيرانية بين السعودية والحوثيين في قدرتها على فتح باب التفاوض فحسب، بل في إمكان تحويلها إلى آلية ملزمة لوقف الهجمات، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وتأمين الملاحة الدولية، ومنع انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة تتجاوز حدود اليمن والخليج.

في الشرق الأوسط، قد يبدأ التصعيد بصاروخ يستهدف مطارًا، لكنه لا يتوقف بالضرورة عند حدود المنشأة المستهدفة. فحين تصبح المطارات المدنية والمنشآت الاقتصادية والممرات البحرية جزءًا من المواجهة، تتحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى تهديد يمس حركة التجارة والطاقة والاستثمار وأمن ملايين الأشخاص، بمن فيهم من لا علاقة لهم بالحسابات العسكرية للأطراف المتحاربة.

وفي هذا السياق، جاء إعلان طهران، في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استعدادها للمساعدة في إطلاق حوار بين السعودية والحوثيين، بالتزامن مع اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره السعودي فيصل بن فرحان، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا خطيرًا عقب الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض.

وبحسب التقارير المنشورة، أسفرت ضربة 10 أكتوبر عن سقوط قتلى ومئات المصابين، قبل أن يتعرض المطار لهجوم آخر في اليوم التالي أدى إلى سقوط قتيل وإصابة آخرين. وقد أثارت هذه التطورات مخاوف متزايدة بشأن سلامة المدنيين والطيران، واحتمالات اتساع المواجهة. <Cite refs={[“turn764238search0″,”turn764238search4″,”turn764238news31”]}/>

لكن السؤال الاستراتيجي الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كانت إيران قادرة على تقريب وجهات النظر، وإنما بما إذا كان بالإمكان بناء تسوية تمنع تكرار الهجمات، وتحد من الردود العسكرية المتبادلة، وتحول دون انتقال الصراع إلى حرب إقليمية أوسع.

أولًا: لماذا لا تكفي الوساطة وحدها؟

تدخل المبادرة الإيرانية اختبارًا صعبًا؛ فطهران تمتلك قنوات اتصال مع الحوثيين، لكن امتلاك قناة اتصال لا يعني بالضرورة امتلاك سلطة كاملة على القرار العسكري والسياسي للجماعة. كما أن استعداد إيران للتوسط لا يضمن قبول الرياض بمبادرة تقودها دولة ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية مع الطرف المقابل.

وتبرز هنا معضلة الثقة: كيف يمكن لطرف يُنظر إليه باعتباره داعمًا لأحد أطراف النزاع أن يتحول إلى وسيط مقبول لدى الطرف الآخر، من دون ضمانات مستقلة وآليات واضحة للتحقق من الالتزامات؟

في المقابل، لا يمكن بناء مسار سلام مستدام على افتراض أن الضغط العسكري وحده سيجبر جميع الأطراف على تقديم تنازلات. فقد يؤدي التصعيد إلى خسائر إضافية، ويزيد من دوافع الانتقام، ويوسع دائرة المشاركين في الحرب، بينما تتراجع المساحة المتاحة أمام الدبلوماسية.

وتوضح التطورات الأخيرة أن المشكلة لا تتعلق بغياب التصريحات السياسية، بل بغياب ضمانات كافية تحول دون استهداف المنشآت المدنية والمصالح الاقتصادية، وتربط أي تفاهم سياسي بتغييرات قابلة للقياس على الأرض.

لذلك، لا ينبغي أن تكون الوساطة الإيرانية بديلًا عن المسار الأممي، ولا أن تتحول إلى مفاوضات مغلقة تتجاهل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وبقية الأطراف اليمنية. والأجدى أن تكون مدخلًا إلى عملية متعددة الأطراف، تتوزع فيها المسؤوليات وتخضع الالتزامات لرقابة مستقلة.

ثانيًا: الحل الممكن — اتفاق مرحلي لوقف التصعيد بضمانات دولية

إن المخرج الأكثر واقعية ليس انتظار اتفاق شامل ينهي جميع الخلافات دفعة واحدة، بل البدء باتفاق أمني مرحلي، محدد المدة، قابل للتحقق والتجديد، يمهد لتسوية سياسية أوسع.

ويمكن بناء هذا الاتفاق على خمسة مسارات مترابطة:

1. وقف فوري ومتبادل للهجمات على المنشآت المدنية

تكون الأولوية لوقف الهجمات على المطارات المدنية والموانئ والمنشآت النفطية والكهربائية والمرافق الصحية والأحياء السكنية، إلى جانب وقف أي عمليات انتقامية تستهدف المدنيين والبنية الأساسية.

ويجب أن يشمل الالتزام الأراضي السعودية واليمنية، مع تحديد واضح للمنشآت المشمولة، وإنشاء قناة اتصال طارئة بين الأطراف لمنع سوء التقدير والتعامل السريع مع الحوادث.

ولا يعني ذلك مساواة المسؤوليات أو تجاهل حق الدول في حماية سكانها؛ بل يعني أن حماية المدنيين يجب أن تكون التزامًا لا يخضع للتفاوض أو للمساومة السياسية.

ويقتضي نجاح هذا المسار أن تتوقف الهجمات فعلًا، لا أن تقتصر الأطراف على إصدار بيانات تهدئة بينما تستمر العمليات العسكرية.

2. تحويل المبادرة الإيرانية إلى التزام قابل للتحقق

يمكن لطهران أن تقدم قيمة دبلوماسية حقيقية إذا استخدمت قنواتها مع الحوثيين لدعم وقف الهجمات، وشجعت على قبول آلية مراقبة مستقلة، وقدمت ضمانات سياسية واضحة بشأن احترام الاتفاق.

لكن لا ينبغي الاكتفاء بتعهدات إيرانية عامة؛ فالنتيجة المطلوبة هي انخفاض فعلي ومستدام في الهجمات، يمكن التحقق منه عبر آلية أممية أو دولية متفق عليها.

وفي المقابل، يتعين على السعودية إعلان التزاماتها المقابلة ضمن الاتفاق، بما يتيح للطرفين معرفة ما هو مطلوب منهما، وما الذي يُعد خرقًا، وكيف ستُعالج الانتهاكات من دون العودة مباشرة إلى التصعيد العسكري.

وتظل نقطة أساسية هنا أن نجاح الوساطة لا يتطلب بالضرورة حسم الخلاف حول طبيعة العلاقة بين إيران والحوثيين أولًا، بل يتطلب اختبار قدرة الأطراف على احترام التزامات محددة، مع استمرار الحوار بشأن الملفات الأكثر تعقيدًا.

3. إنشاء آلية أممية للتحقق والإنذار المبكر

يمكن للأمم المتحدة، بالتنسيق مع الأطراف المعنية، أن ترعى آلية مراقبة تتولى توثيق الهجمات، وتبادل المعلومات المتعلقة بالحوادث، والتحقق من الالتزام بوقف إطلاق النار، وتفعيل قنوات الاتصال عند ظهور مؤشرات على تجدد التصعيد.

وتحتاج هذه الآلية إلى قواعد واضحة لتلقي الشكاوى، والتحقيق في الحوادث، ونشر تقارير دورية، وتحديد إجراءات معالجة الخروقات.

كما ينبغي ألا تتحول كل حادثة غير محسومة إلى ذريعة لشن هجوم جديد. فوجود قناة مستقلة للتحقق يمنح الأطراف فرصة لمعالجة الوقائع قبل اتخاذ قرارات عسكرية قد يصعب احتواء نتائجها.

ولا يعني ذلك أن المراقبة الدولية تستطيع منع كل خرق، لكنها تقلل مساحة الغموض وسوء التقدير، وتساعد على التمييز بين الحوادث المثبتة والاتهامات التي تحتاج إلى تحقيق.

4. حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب

لا يمكن فصل التصعيد اليمني عن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولا عن الترابط الاستراتيجي بين هذه الممرات ومضيق هرمز.

فأي تهديد للسفن التجارية أو تعطيل للملاحة يرفع المخاطر التي تواجه شركات الشحن والتأمين، وقد يدفع السفن إلى تغيير مساراتها، بما يزيد زمن النقل والتكاليف ويؤثر في سلاسل الإمداد وأسعار السلع والطاقة.

وقد حذرت الأمم المتحدة في يوليو/تموز 2026 من أن استئناف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر يهدد بتوسيع دائرة التوتر، وبإلحاق أضرار اقتصادية وإنسانية وبيئية تتجاوز المنطقة. كما شدد مجلس الأمن، في بيان صدر في سبتمبر/أيلول، على ضرورة وقف الهجمات التي تستهدف السعودية والسفن التجارية واحترام قواعد القانون الدولي. <Cite refs={[“turn764238search1″,”turn764238search6″,”turn764238search9”]}/>

ومن هنا، يمكن أن يتضمن الاتفاق إنشاء مسار بحري موازٍ يضمن حرية الملاحة، ويحظر استهداف السفن التجارية، ويوفر ترتيبات اتصال وتنسيق لمنع الحوادث، مع احترام القانون الدولي وسيادة الدول.

ويجب أن تكون حماية الملاحة إجراءً دفاعيًا منضبطًا، لا غطاءً لتوسيع العمليات العسكرية أو تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.

5. ربط التهدئة بمسار سياسي واقتصادي داخل اليمن

لن يكون وقف الهجمات مستدامًا إذا ظل اليمن غارقًا في الانقسام السياسي والتدهور الاقتصادي وتنافس مراكز القوة المسلحة.

لذلك، ينبغي أن تفتح التهدئة الباب أمام مفاوضات يمنية شاملة، برعاية الأمم المتحدة، تتناول الترتيبات الأمنية، ومستقبل مؤسسات الدولة، وتقاسم المسؤوليات السياسية، وتسوية الخلافات بشأن الموارد والإيرادات، وإعادة بناء الخدمات الأساسية.

ويشمل ذلك دعم وصول المساعدات الإنسانية، وتسهيل حركة المدنيين، ومعالجة ملفات الأسرى والمحتجزين، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتهيئة ظروف استئناف النشاط الاقتصادي.

كما يجب ألا تتحول المساعدات وإعادة الإعمار إلى مكافآت سياسية مشروطة بالولاء لأي طرف، بل إلى أدوات لتحسين حياة السكان وتعزيز فرص الاستقرار.

فالسلام الذي لا يمنح اليمنيين أفقًا اقتصاديًا وسياسيًا قابلًا للحياة يظل معرضًا للانهيار، مهما نجحت التفاهمات الأمنية المؤقتة.

ثالثًا: من يدفع ثمن الحرب إذا توسعت؟

قد تبدو المواجهة محصورة جغرافيًا في اليمن والسعودية، لكنها تحمل مخاطر تتجاوز حدودهما.

أولًا، قطاع الطاقة: يؤدي تهديد المنشآت النفطية أو طرق نقل الطاقة إلى زيادة المخاوف بشأن الإمدادات، ورفع علاوات المخاطر، وزيادة تقلبات الأسواق. وحتى من دون توقف طويل للإنتاج، يمكن أن تؤثر المخاطر الأمنية في قرارات الاستثمار وتكاليف النقل والتأمين.

ثانيًا، التجارة الدولية: يشكل البحر الأحمر وباب المندب جزءًا مهمًا من شبكة النقل البحري بين آسيا وأوروبا. وأي تعطيل مستمر للملاحة قد يدفع الشركات إلى استخدام طرق أطول وأكثر تكلفة، بما ينعكس على أسعار السلع والمواد الأولية وأجور الشحن.

ثالثًا، الطيران والسياحة والاستثمار: عندما يتعرض مطار مدني لهجمات متكررة، لا تقتصر الخسائر على الأضرار المادية وإلغاء الرحلات؛ بل تمتد إلى ثقة المسافرين والشركات والمستثمرين في البيئة الأمنية.

رابعًا، خطر التدخلات الدولية: كلما ارتفعت الخسائر البشرية وازدادت التهديدات للمصالح الاستراتيجية، زاد احتمال دخول دول أخرى في المواجهة، سواء عبر الدعم العسكري أو العمليات الدفاعية أو التدخل المباشر. وعندئذ قد يصبح احتواء الحرب أصعب من منع توسعها في مراحلها الأولى.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية لأن أي اضطراب متزامن في البحر الأحمر والخليج ومضيق هرمز يمكن أن يضاعف الضغوط على النقل والطاقة والتجارة، بدل أن تبقى آثار كل أزمة منفصلة عن الأخرى.

رابعًا: كيف نمنع تحوّل الاتفاق إلى هدنة مؤقتة؟

التجارب السياسية للنزاعات الممتدة توضح أن إعلان وقف إطلاق النار لا يكفي إذا لم تتوافر آليات تمنع العودة إلى القتال.

ولهذا، ينبغي أن يتضمن أي اتفاق جدولًا زمنيًا معلنًا، ومؤشرات قابلة للقياس، وإجراءات محددة للتعامل مع الخروقات، ومسارًا متدرجًا للانتقال من التهدئة الأمنية إلى التسوية السياسية.

ويمكن اعتماد ثلاثة مستويات متتابعة:

  • المرحلة الأولى: الأيام الأولى من الاتفاق. وقف الهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، وفتح قنوات الاتصال المباشر، وتبادل المعلومات الضرورية لتجنب الحوادث.
  • المرحلة الثانية: الأسابيع التالية. بدء التحقق المستقل، وتثبيت التزامات حماية الملاحة، وتسهيل المساعدات الإنسانية، وإطلاق مفاوضات سياسية محددة الموضوعات.
  • المرحلة الثالثة: المدى المتوسط. توسيع الاتفاق ليشمل ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية أكثر استدامة، مع ضمان مشاركة الأطراف اليمنية المعنية وعدم اختزال مستقبل البلاد في تفاهم سعودي إيراني.

ويجب أن تكون إجراءات التعامل مع الانتهاكات متدرجة ومتناسبة، وألا تؤدي تلقائيًا إلى انهيار الاتفاق بأكمله. كما ينبغي توفير مسار سريع للتحقيق في الحوادث المتنازع عليها قبل أن تتحول إلى مبرر لموجة جديدة من الضربات.

ومن المهم أيضًا ألا يُستخدم الاتفاق لفرض تسوية نهائية على اليمنيين من خارج البلاد؛ فالتفاهمات الإقليمية تستطيع تخفيف التهديدات، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة يمنية مستقرة.

خامسًا: ما المطلوب من الرياض وطهران وواشنطن والأمم المتحدة؟

تحتاج التسوية إلى توزيع واقعي للمسؤوليات، بدل انتظار أن يتنازل طرف واحد عن جميع مطالبه.

السعودية: إعطاء الأولوية لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، وربط أي ترتيبات للتهدئة بضمانات أمنية قابلة للتحقق، مع استمرار دعم المسار السياسي اليمني.

إيران: إثبات جدية مبادرتها عبر دعم وقف الهجمات، وتشجيع الحوثيين على الالتزام بآلية مستقلة للتحقق، وتجنب أي خطوات من شأنها زيادة المواجهة أو توسيع نطاقها.

الحوثيون: وقف الهجمات التي تستهدف المدنيين والمنشآت المدنية والسفن التجارية، والمشاركة في مفاوضات لا تقتصر على تثبيت المكاسب العسكرية، بل تتناول مستقبل اليمن ومؤسساته.

الولايات المتحدة والقوى الدولية: تجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع، ودعم ترتيبات دفاعية وقائية متوافقة مع القانون الدولي، واستخدام النفوذ السياسي والدبلوماسي لدفع الأطراف إلى احترام الاتفاق، بدل الاكتفاء بالاستعداد لردود عسكرية جديدة.

الأمم المتحدة: توفير إطار محايد للمفاوضات، ومراقبة الالتزامات، وتيسير المفاوضات اليمنية الشاملة، وربط التهدئة بحماية الملاحة والجهود الإنسانية.

ويمكن للدول الخليجية، إلى جانب أطراف إقليمية لديها علاقات مع مختلف الفاعلين، أن تدعم هذا المسار من خلال ضمانات سياسية واتصالات دبلوماسية، شريطة ألا تتحول الوساطة إلى منافسة على النفوذ أو إلى غطاء لإقصاء الأطراف اليمنية.

سادسًا: هل تستطيع الوساطة الإيرانية منع الحرب العالمية؟

من الضروري التمييز بين خطر توسع الصراع وبين القول إن الحرب العالمية أصبحت نتيجة حتمية. فالتصعيد الحالي يحمل مخاطر إقليمية ودولية جدية، لكن اتساعه يظل مرتبطًا بقرارات سياسية وعسكرية يمكن التأثير فيها.

وقد يؤدي استمرار الهجمات والردود الانتقامية إلى إشراك أطراف جديدة، وفتح جبهات إضافية، وزيادة التهديدات للممرات البحرية والطاقة. غير أن وجود قنوات دبلوماسية، واتفاقات واضحة، وآليات مستقلة للتحقق، يمكن أن يقلل فرص سوء التقدير ويمنح الأطراف مخرجًا يحفظ أمنها ومصالحها من دون توسيع الحرب.

ولا تستطيع مبادرة إيرانية منفردة أن تضمن ذلك. كما لا يمكن لاتفاق سعودي حوثي أن يحل تلقائيًا جميع الخلافات بين إيران والولايات المتحدة أو بين القوى الإقليمية الأخرى.

لكن يمكن لهذه المبادرة أن تكون نقطة انطلاق نحو فصل الملفات قدر الإمكان: وقف الهجمات على السعودية واليمن، وحماية الملاحة في البحر الأحمر، ومنع استهداف المنشآت المدنية، ثم معالجة الخلافات الإقليمية الأوسع عبر قنوات سياسية مستقلة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للوساطة: ليس في منح أي طرف انتصارًا سياسيًا، بل في تقليل احتمالات أن تتحول أزمة قابلة للاحتواء إلى سلسلة من المواجهات التي يصعب على الجميع التحكم في نتائجها.

السلام ليس تنازلًا عن الأمن، بل حماية له

تواجه مبادرة طهران اختبارًا يتجاوز العلاقات السعودية الإيرانية؛ فهي مطالبة بإثبات أن الدبلوماسية تستطيع التأثير في الوقائع الميدانية، لا أن تظل خطابًا موازيًا للحرب.

والحل الأكثر واقعية يبدأ بوقف قابل للتحقق للهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان حرية الملاحة، وإقامة آلية مستقلة لمراقبة الالتزامات، ثم الانتقال إلى مفاوضات يمنية شاملة تحظى بدعم إقليمي ودولي.

ولا يمكن ضمان نجاح هذا المسار مسبقًا، خصوصًا في ظل انعدام الثقة وتعدد الأطراف والمصالح المتعارضة. لكن البديل، أي استمرار التصعيد من دون قواعد واضحة أو مخرج سياسي، يحمل مخاطر متزايدة على اليمن والسعودية والمنطقة والاقتصاد العالمي.

إن الاختبار الحقيقي ليس من سيخرج منتصرًا من جولة عسكرية جديدة، بل من يستطيع منع الجولة التالية. فالأمن المستدام لا يُبنى بتوسيع دائرة الخوف، والاقتصاد العالمي لا يحتاج إلى انتصار عسكري إضافي بقدر حاجته إلى ممرات آمنة، وأسواق مستقرة، ودول قادرة على تسوية خلافاتها قبل أن يدفع المدنيون ثمنها.

وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح الوساطة بعدد الاجتماعات التي تجمع الخصوم، بل بعدد الهجمات التي تتوقف، والأرواح التي تُحمى، والممرات التي تبقى مفتوحة، والفرص التي تُستعاد لبناء سلام قابل للاستمرار.

مقالات ذات صلة