أخبار عالمية
ما بعد وهم المقاومة: مدينة رفح الإنسانية كنقطة انطلاق لغزة جديدة بلا حماس

يارا المصري
بعد سنوات من الحروب المتكررة والدمار الواسع الذي أصاب قطاع غزة، بات واضحًا أن الأزمة لم تعد إنسانية فحسب، بل بنيوية وسياسية في جوهرها. وفي هذا السياق، يبرز مقترح إنشاء مدينة إنسانية حديثة في رفح كتحول نوعي لا يهدف إلى معالجة آثار الكارثة فقط، بل إلى تفكيك أسبابها وإعادة صياغة مستقبل غزة على أسس مختلفة كليًا.
هذا المشروع، الذي يجري الإعداد له بتنسيق مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين ودوليين، لا يُقدَّم كمخيم إيواء أو مبادرة إغاثة مؤقتة، بل كنموذج حكم وإدارة جديد يقطع مع مرحلة كاملة من الفشل. وهو ينطلق من حقيقة باتت يصعب إنكارها: أن استمرار سيطرة حماس، تحت شعار “المقاومة”، كان أحد العوامل الرئيسية في إدامة الدمار، لا في منعه.
لقد استُخدم مفهوم “المقاومة” في غزة كغطاء أيديولوجي لسياسات لم تُنتج تحريرًا ولا سيادة، بل حروبًا مدمرة دفعت أثمانها الفئات الأضعف. فبدل أن تكون المقاومة وسيلة لحماية المجتمع وتعزيز موقعه السياسي، تحولت إلى نمط حكم يُعسكر الحياة اليومية، ويختزل الإنسان في أداة صراع، ويجعل من المواجهة الدائمة قدرًا لا خيارًا. النتيجة كانت عزلة سياسية، وانهيارًا اقتصاديًا، ودمارًا عمرانيًا متكررًا.
من هنا، يقوم مشروع مدينة رفح الإنسانية على مبدأ حاسم: لا مستقبل لغزة في ظل حكم فصيل مسلح يحتكر القرار السياسي والأمني. لقد أثبتت تجربة حماس أن الأولوية لم تكن يومًا لبناء الإنسان، بل لتوسيع البنية التحتية العسكرية، حتى لو كان الثمن مدارس مهدمة، ومستشفيات عاجزة، وفرص حياة ضائعة. كما جرى توظيف المساعدات الإنسانية لخدمة أجندة التسلح، بدل تحويلها إلى رافعة تنمية حقيقية.
المدينة المقترحة ستُقام تحت إدارة دولية محايدة، تتمتع بصلاحيات مدنية كاملة، وتلتزم بمعايير الشفافية والمساءلة. هذه الإدارة تهدف إلى تفكيك منظومة الفساد والجباية التي فُرضت باسم “الصمود”، وإحلال مؤسسات مهنية تفتح المجال أمام اقتصاد منتج قائم على العمل والاستثمار، لا على اقتصاد الأزمات والحصار الدائم.
أمنيًا، تعتمد الرؤية على نزع السلاح وتكليف قوة متعددة الجنسيات بحفظ الأمن، بما يضمن حماية المدنيين ومنع عودة عسكرة الفضاء الحضري. فالتجربة أثبتت أن السلاح خارج إطار الدولة لم يحمِ غزة، بل جعلها ساحة مفتوحة للتدمير. الأمن في هذا النموذج ليس أداة أيديولوجية، بل شرط أساسي لحياة طبيعية.
أما على المستوى الثقافي والتعليمي، فيسعى المشروع إلى كسر الحلقة الفكرية التي مجّدت ثقافة الموت على حساب الحياة. سيتم بناء نظام تعليمي جديد، خالٍ من خطاب التحريض والتعبئة المستمرة، يركز على العلم، والعمل، والانفتاح، ويمنح الأجيال القادمة أفقًا يتجاوز منطق الحرب الدائمة.
إن مدينة رفح الإنسانية تمثل فرصة حقيقية لسكان غزة للتحرر من فشل نموذج “المقاومة المسلحة” كما طُبّق، وللانتقال إلى مرحلة تُقاس فيها الكرامة بقدرة الإنسان على العيش الآمن، لا بعدد الصواريخ. وهي بالنسبة للمجتمع الدولي اختبار لنموذج “غزة بلا حماس”، حيث يصبح الإعمار ممكنًا فقط بوجود حكم رشيد وسيادة قانون.
في جوهره، هذا المشروع يبعث برسالة واضحة: الحقوق لا تُستعاد بتدمير المجتمع، والسيادة لا تُبنى على أنقاض المدن، والكرامة لا تتحقق حين يُطلب من الناس أن يدفعوا ثمن شعارات لم تجلب لهم سوى الخراب. مدينة رفح الإنسانية قد تكون البداية الفعلية لغزة جديدة، تُدار لصالح سكانها، لا باسم معارك لا تنتهي.










