أخبار العالم العربي

ماذا يريد أردوغان؟

بقلم: سمير باكير
في العام الماضي، وبعد سقوط حكومة بشار الأسد، بدا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكأنه يحتفل بنصرٍ استراتيجي كبير. فقد ساد في أنقرة آنذاك اعتقادٌ راسخ بأن تركيا نجحت في إيصال نفسها إلى موقع «القوة الأولى في غرب آسيا»، وأن ميزان القوى الإقليمي قد مال نهائياً لصالحها. في ذلك السياق، قيّم أردوغان وأجهزة السياسة الخارجية التركية إيران على أنها منافس خاسر خرج من معادلة التأثير الإقليمي.

في الوقت نفسه، انتهجت أنقرة سياسة مزدوجة ومتناقضة؛ فمن جهة، رفعت شعارات الدعم السياسي لحركة حماس واستثمرت في الخطاب العاطفي تجاه القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى، واصلت علاقاتها التجارية المربحة مع الكيان الصهيوني، متجاهلةً التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة.

غير أن مرور عام واحد فقط كان كفيلاً بقلب المعادلة رأساً على عقب. فقد اكتشفت تركيا أن رهانها على ما يُسمّى بـ«سوريا الجولاني» لم يثمر سوى مزيد من الأعباء، والتكاليف الأمنية، والخسائر البشرية والسياسية، دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية. التدخل التركي في الساحة السورية، بدل أن يعزز النفوذ، كشف حدود القوة وأدخل أنقرة في مستنقع معقد ومكلف.

أما حصيلة «حسن الخدمة» التي قدمتها تركيا للكيان الصهيوني، فجاءت مخيبة للآمال. إذ فوجئت أنقرة مؤخراً بإعلان تل أبيب عن تشكيل تحالف عسكري ثلاثي مع اليونان وقبرص، وهما من ألدّ الخصوم التاريخيين لتركيا. هذا التطور لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل رسالة واضحة بأن المصالح الإسرائيلية لا تعرف وفاءً دائماً، وأن أنقرة ليست شريكاً مضموناً في الحسابات الأمنية لتل أبيب.

اليوم، تجد تركيا نفسها جريحة من خيانة الحليف الإسرائيلي، ومحبطة من نتائج تدخلها السلبي في سوريا. وفي ظل هذا الواقع، باتت أنقرة أكثر حاجة إلى التعاون والتنسيق مع إيران، بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها.

ومع انكشاف بعض نتائج المواجهة بين إسرائيل وإيران، ولا سيما استعراض القوة الذي أظهرته المنظومات الصاروخية للمقاومة الإسلامية في مواجهة الكيان الصهيوني، توصلت القيادة التركية إلى قناعة جديدة: زمن التفرد والهيمنة الإقليمية قد ولّى. وأصبح واضحاً أن تركيا، مهما بلغت طموحاتها، لا تستطيع ضمان مكانتها وأمنها الإقليميين دون تفاعل جاد ومتوازن مع إيران، ضمن معادلة شراكة واقعية تفرضها موازين القوى الجديدة في المنطقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى