فن و ثقافة
كيف يفكر المستوطن؟ محمد جمال يكشف كواليس أخطر شخصية في صحاب الأرض

حوار: علياء الهواري
في وقتٍ لا يحتمل الرماد، اختار أن يمشي فوق النار.
بين تعاطفه الشخصي مع القضية الفلسطينية، وبين احترافه الفني كممثل يعرف كيف يفصل بين قناعاته ودوره، وجد محمد جمال نفسه أمام واحدة من أكثر الشخصيات حساسية في الدراما العربية الحديثة: مستوطن صهيوني في مسلسل «صحاب الأرض».
شخصية تمثل طرفًا في صراع دموي مفتوح، وتأتي بعد أحداث 7 أكتوبر، وفي ظل واقع ملتهب لم يهدأ بعد. الهجوم جاء سريعًا، والانتقادات كانت حاضرة، خاصة من الإعلام العبري. لكن جمال يرى أن ما قدمه لم يكن “مجرد تمثيل”، بل “موقفًا تاريخيًا” سيحكيه لأبنائه يومًا ما.
في هذا الحوار الخاص، يتحدث محمد جمال بصراحة عن التحدي النفسي، والتحضير اللغوي، وصعوبة تقمص “الطرف الآخر”، ورسالة يوجهها إلى الإعلام العبري الذي اتهم المسلسل بتزييف الحقيقة.
في البداية.. كيف تعاملت نفسيًا وفنيًا مع تقديم شخصية تمثل طرفًا في صراع سياسي حساس قد يرفضه جزء كبير من الجمهور؟
أولًا أحب أرحب بحضرتك.
من أول يوم وأنا شايف إن الموضوع رسالة فنية، بس مش رسالة عادية.. هو موقف تاريخي بيتسجل. مش زي دور اجتماعي عابر، ده دور مرتبط بصراع ممتد، وحدث هيفضل معانا العمر كله.
لما جالي الدور، كنت كشخص متابع لإخواتنا الفلسطينيين، ومتابع الصراع السياسي، وعارف إننا بنشتغل بعد 7 أكتوبر، وبعد استشهاد عدد كبير من المقاومة في حماس. فكنت فاهم إننا بنلعب على وتر حساس جدًا.. شوكة حساسة.
نفسيًا، الموضوع كان صعب. لأنك بتحط نفسك مكان الطرف التاني، وده طرف أنا شخصيًا متعاطف مع القضية اللي ضده. لكن فنيًا، لازم تفصل. لازم تبقى صادق في الأداء حتى لو الدور مستفز.
هل كنت تعتبر الدور مجرد أداء تمثيلي أم رسالة فنية تحمل موقفًا أو قراءة معينة للواقع؟
لا خالص والله، مش مجرد أداء.
أنا شايفه موقف تاريخي. حاجة أتشرف بيها قدام أولادي. لما يكبروا ويسألوني: “إنت عملت إيه في المرحلة دي؟” أقولهم إني شاركت في عمل بيوثق مرحلة مهمة من الصراع.
الفن هنا مش بس للترفيه. هو توثيق. هو قراءة. هو انحياز إنساني.
إحنا مش بنحكي قصة خيالية، إحنا بنحكي واقع اتشاف بعينينا
هل واجهت ضغوطًا أو انتقادات مباشرة بعد عرض الحلقة؟
الهجوم كان متوقع.
خصوصًا من الإعلام العبري، لأنهم شافوا إن المسلسل بيقدم صورة مش على مزاجهم. لكن أنا كنت متوقع ده من قبل ما الحلقة تتعرض.
بالعكس، كل ما الشخصية تستفز الناس أكتر، يبقى أنا نجحت كممثل. لأن الشخصية دي في الواقع مستفزة. ده جزء من تكوينها.
الطرف اللي بيفرض سطوة وبلطجة، طبيعي يكون مستفز.
هل كان إتقانك للعبرية مجرد أداء لغوي أم أنك حاولت فهم العقلية والثقافة المرتبطة بالشخصية قبل التحدث بها أمام الكاميرا؟
أكيد مش لغة وبس.
أنا مش كول سنتر بيردد كلمات محفوظة. أنا ممثل.
اتفرجت كتير. عملت تغذية بصرية مكثفة. تابعت فيديوهات وتصريحات، شفت مواقف حقيقية. في حاجات كنت بتفرج عليها وبتقطع من جوايا، زي مشاهد الرقص داخل ساحات المسجد الأقصى، أو إهانة الآباء قدام أولادهم.
المشاهد دي كانت قاسية، بس هي اللي بنتلي الحالة النفسية للشخصية.
لازم أفهم هو بيفكر إزاي، بيتكلم إزاي، بيشوف نفسه إزاي.
أثناء تقديم مشاهدك بالعبرية.. هل كنت حريصًا على تفاصيل النبرة وطريقة التعبير حتى تعكس واقع الشخصية بشكل واقعي؟
طبعًا.
إحنا في 2025، مش في زمن الصورة النمطية القديمة. زمان كانت الشخصية اليهودي في السينما المصرية بتتقدم بشكل كاريكاتيري شوية، زي بعض النماذج في «رأفت الهجان».
دلوقتي الصورة مختلفة. لما تتابعي شخصيات إسرائيلية معاصرة، زي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، هتلاقيهم بيتكلموا بشكل طبيعي جدًا، لكن في نبرة معينة… نبرة استفزازية.
فكنت مركز جدًا على النبرة، على الثقة الزائدة، على الإحساس بالسطوة. الشخصية لازم تحس إنها متحكمة، حتى وهي بتدّعي إنها مظلومة.
هل واجهت صعوبة في الفصل بين شخصيتك الحقيقية وبين الشخصية التي تتحدث بلغة مختلفة وتحمل موقفًا مختلفًا في الصراع؟
أنا ممثل محترف.
طبيعي أفصل بين شخصيتي الحقيقية، المتعاطفة مع فلسطين، وبين شخصية مستوطن شايف نفسه صاحب حق.
لكن مش هكدب، الفصل ده كان محتاج مجهود نفسي. لأنك بتدخل جوه عقلية كارهة، شايفة إن الأرض حقها، وإن الطرف التاني مجرد عقبة.
كنت دايمًا بفكر نفسي: ده دور. ده تمثيل. وإلا هتتعب نفسيًا.
البعض رأى أن العمل منح الشخصية الإسرائيلية مساحة إنسانية.. كيف ترد؟
إحنا ما جملناش حد.
إحنا قدمنا نموذج واقعي. الإنسان ممكن يبقى طبيعي في كلامه، عادي في شكله، لكن أفعاله مستفزة وقاسية.
الخطورة مش في الشكل، الخطورة في السلوك.
والمسلسل كان حريص يعكس ده بوضوح.
رسالتك إلى الإعلام العبري الذي هاجم المسلسل واتهمه بتزييف الحقيقة؟
رسالتي بسيطة جدًا.
زي ما قال المطرب الراحل شعبان عبد الرحيم في أغنيته الشهيرة أنا بكره إسرائيل:
“أنا بكره إسرائيل وأقولها لو اتسأل”.
الإعلام العبري ولا يهمنا.
هم معروف عنهم تزييف الحقائق. والتاريخ شاهد.
إحنا ما اخترعناش حاجة.
الفيصل بينا وبينهم هو الفيديوهات الحقيقية المنتشرة. المسلسل استند لمشاهد واقعية شافها العالم كله.
لو في حد بيزيف، فالمشاهد موجودة على الإنترنت تثبت العكس.
أخيرًا.. ماذا تقول للجمهور الذي ربط بينك وبين الشخصية؟
أحب أقول للجمهور: افصلوا بين محمد جمال الممثل، ومحمد جمال الإنسان.
أنا في الأساس ممثل كوميدي، ابن المسرح، بيعتمد على خفة الدم والكاريزما. الشر ده كان تجربة. تحدي.
ولو نجحت فيه، فده لأن الفن محتاج صدق.
لكن أنا بحب الكوميديا، بحب التراجيديا، بحب كل أشكال التمثيل.
الممثل لازم يكون قادر يلبس كل الوجوه… ويخلعها أول ما الكاميرا تقفل.
بين الاحتراف والانحياز الإنساني، سار محمد جمال على خيط رفيع.
قدم شخصية مستفزة عن قصد، وراهن على وعي الجمهور في الفصل بين الدور وصاحبه.
وفي زمن تتداخل فيه السياسة بالفن، يبدو أن “صحاب الأرض” لم يكن مجرد مسلسل… بل ساحة أخرى من ساحات السرد










