كرتونة رمضان.. خير و احترام

بقلم د – قياتي عاشور
لا شك أن شهر رمضان المبارك والمواسم الدينية، هي مواسم الحصاد الحقيقي لـ الخير في الشارع المصري، حيث تتجلى أصدق معاني التكافل الاجتماعي وتبرز أصالة هذا المجتمع. تاريخياً، كان هذا التكافل يُمارس في إطار من “الستر” والسرية التامة، انطلاقاً من المبدأ الأخلاقي والديني الراسخ: “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”. ولكن، مع التوغل العنيف لوسائل التواصل الاجتماعي في تفاصيل حياتنا اليومية، بتنا نرصد ظاهرة سوسيولوجية مقلقة ومركبة؛ وهي ظاهرة تصوير وتوثيق عمليات توزيع المساعدات و”كراتين رمضان” على المحتاجين، ونشرها على المنصات الرقمية بحثاً عن المشاهدات والـ “تريند”.
من منظور علم الاجتماع، نحن نقف أمام تحول خطير يمكن تسميته ب “ـتسليع الخير” في هذه الحالة، لم يعد الهدف الأسمى من المساعدة هو سد حاجة الفقير أو ابتغاء الأجر الروحي، بل تحولت “المساعدة” إلى “سلعة”، وتحول “الفقير” -بكل أسف- إلى مجرد “أداة” أو “ديكور” يستخدمه المانح أو المتبرع لحصد الإعجابات، وبناء صورة ذهنية زائفة عن نفسه كفاعل للخير، أو ما نطلق عليه سوسيولوجياً محاولة تضخيم “رأس المال الاجتماعي” للمتبرع على حساب كرامة المتلقي.
إن توجيه عدسة الكاميرا نحو وجه مواطن بسيط في لحظة احتياجه وضعفه، وتوثيق لحظة انكساره وهو يتسلم “كرتونة” أو مساعدة مادية، لا يمكن تبريره تحت أي مسمى من مسميات “تشجيع الآخرين على الخير”. بل هو في حقيقته يمثل ممارسة واضحة لما يُعرف في علم الاجتماع بـ “العنف الرمزي” إنه عنف غير مادي، لا يترك كدمات على الجسد، ولكنه يترك ندوباً غائرة في النفس؛ فهو يسلب الإنسان أغلى ما يملك: كرامته وكبرياءه. والأخطر من ذلك هو الأثر النفسي المدمر على أطفال هذه الأسر، حينما تكبر صور آبائهم وأمهاتهم موثقة في فضاء الإنترنت كـ “محتاجين”، مما يعرضهم للتنمر المجتمعي، ويقتل فيهم الشعور بالثقة والانتماء.
هنا، تتجلى بوضوح أهمية التوجه الاستراتيجي الذي تتبناه الدولة المصرية مؤخراً نحو “مأسسة العمل المجتمعي والأهلي” فالمبادرات الوطنية والمؤسسية الكبرى (وعلى رأسها التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي) أدركت هذا البعد السوسيولوجي والأخلاقي مبكراً؛ فتحولت من مفهوم “الإحسان العشوائي” الذي قد يجرح المشاعر، إلى مفهوم “الحق التنموي” الذي يصون الكرامة. مؤسسات الدولة تقدم الدعم في إطار من الحوكمة والسرية، وتعمل على التمكين الاقتصادي وبناء الإنسان وتطوير البنية التحتية والخدمية للقرى، بدلاً من مجرد توزيع المساعدات اللحظية أمام الكاميرات. هذا هو الفارق الجوهري بين “العمل المؤسسي” الذي يبني وطناً ويحفظ كرامة مواطنيه، وبين “الاستعراض الفردي” الذي يبحث عن اللقطة.
إن التكافل الاجتماعي الحقيقي هو الذي يرفع من شأن المتلقي ولا يستعليه. نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة أخلاقية وسلوكية عاجلة لثقافتنا في العطاء. يجب أن ندرك أن جبر الخواطر لا يجتمع مع فلاش الكاميرات، وأن حفظ ماء وجه إنسان يعاني من ضيق ذات اليد، هو عند الله وعند المجتمع، أعظم وأكرم من آلاف المساعدات التي تُدفع ثمنها من رصيد كرامة المحتاجين.
دعونا نُغلق الكاميرات.. ونفتح قلوبنا بحق؛ فالخير الذي يُصنع في الصمت، أبلغ وأبقى وأطهر من خيرٍ تفضحه الشاشات.










