عالم بلا قواعد

عبدالزهرة محمد الهنداوي
بضرس قاطع قالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منتدى دافوس، إن “العالم بات بلا قواعد”، عبارة ماكرون هذه لم تكن توصيفًا بلاغيًا عابرًا، بل تشخيصًا دقيقًا لمرحلة دولية مضطربة، تتآكل فيها منظومة القانون الدولي، وتُستبدل القواعد المتفق عليها بمنطق القوة، والصفقات، والمصالح الضيقة، عالم تتراجع فيه المؤسسات، وتتعاظم فيه نزعة الفردانية، حتى بات الاستثناء هو القاعدة.
تحطيم القواعد كان نتاجًا مباشرًا لسياسات الرئيس الامريكي ترامب ، الذي قاد انقلابًا واضحًا على مفاهيم الشراكة الدولية، والالتزام بالاتفاقيات، واحترام الأطر متعددة الأطراف، فقد رُفعت شعارات “أمريكا أولًا”، لا بوصفها أولوية مشروعة، بل كتبرير لتحطيم وزعزعة النظام الدولي، والانسحاب من اتفاقات مناخية ونووية وتجارية، وإضعاف المؤسسات التي قامت عليها فكرة الاستقرار العالمي، وهنا لم يعد للمنظمات الدولية اي دور في المحافظة على القواعد العالمية، بعد ان تحولت الى مجرد ديكورات لتجميل سياسة تحطيم القواعد.
وفي هذا السياق، لم يعد السلام قيمة مشتركة، بل ورقة تفاوض، ولم تعد السيادة مبدأً ثابتًا، بل مفهوم مرن يُعاد تعريفه وفق ميزان القوة، التهديد، والضغط الاقتصادي، والعقوبات، والابتزاز السياسي، أصبحت أدوات مشروعة في إدارة العلاقات الدولية، على حساب القانون والشرعية، ولنا في اختطاف رئيس فنزويلا الغنية بالنفط، والسعي للاستيلاء على جزيرة غرينلاند الغنية بالمعادن، وموقعها الجيوسياسي، مصاديق صارخة تؤكد ان العالم اضحى بلا قواعد، كما حذّر ماكرون.
حتى اوربا التي ينتمي لها ماكرون، والتي طالما قدّمت نفسها كحارس للنظام الدولي الليبرالي، وجدت نفسها في موقع التابع، لا الشريك، قرارات مصيرية في الأمن، والطاقة، والدفاع، فُرضت عليها كأمر واقع، في لحظة كشفت هشاشة استقلالها الاستراتيجي، وعجزها عن صياغة موقف موحد يحمي مصالحها بعيدًا عن سياسات واملاءات ترامب.
أما في شرقنا الأوسط، فقد انعكس هذا الانفلات القاعدي على نحو أكثر قسوة،
صراعات مفتوحة، معايير مزدوجة، صمت دولي إزاء مجازر وتدخلات سافرة، تبعها اعادة رسم خرائط النفوذ والجغرافية السياسية للشرق الاوسط، وتوظيف انتقائي لمفاهيم حقوق الإنسان، في ظل غياب القواعد، يصبح الضحايا أرقامًا، وتتحول الجغرافية إلى ساحات اختبار للقوة، لا لمبادئ العدالة.
إن أخطر ما في عالم بلا قواعد، ليس الفوضى الآنية، بل اعتيادها، من باب (المدبّغ ما يخاف من الكتل)!! حين تتطبع الدول مع خرق القانون، وتُكافأ القوة على حساب الشرعية، يصبح الانهيار الأخلاقي مقدمة لانهيار سياسي واقتصادي أوسع، من هنا، لا تبدو دعوة ماكرون حنينًا إلى نظام قديم، بقدر ما هي إنذار مبكر: فالعالم الذي يديره ترامب بلا قواعد، لا يمكن التنبؤ بمآلاته، ولا ضمان أمنه، ولا حماية مستقبله، كما لايبقى اي معنى او قيمة لتأسيس مايسمى (مجلس ترامب للسلام)!!، فهذا المجلس سيكون بمثابة حجر اخر لتحطيم ماتبقى من زجاج نوافذ قواعد العالم المحطمة اصلا!!










