مقالات

سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي محتدم وهذا مفيد للجميع

 

 

***

جيسون فيرمان

خدمة «نيويورك تايمز»

الأربعاء –
15 رَمضان 1447 هـ –
4 مارس 2026 م
***

في عصرٍ يغلب عليه القلق إزاء هيمنة الشركات غير الخاضعة لقيود تحكمها، قد يبدو الذكاء الاصطناعي المثال الأكثر إثارةً للرعب على الإطلاق. وتُقدّر قيمة هذا القطاع بتريليونات الدولارات، ويحظى بنفوذ لا مثيل له على مستقبلنا الجماعي، في وقت لا تبذل الحكومات أدنى جهد لكبح جماحه.

إن لم يكن هذا احتكاراً للسلطة، فماذا يكون إذاً؟
ومع ذلك، نجد أن القصة الحقيقية لأهم تكنولوجيا في عصرنا مختلفة تمام الاختلاف عما تبدو عليه. بدلاً من التحرك نحو الاندماج، كما فعل كثير من الصناعات الأخرى، طغت التنافسية الشديدة على طليعة الذكاء الاصطناعي. وقد تمخض ذلك عن وتيرة ابتكار مذهلة، وانخفاضات كبيرة في التكاليف، وتوسع نطاق الخيارات المتاحة أمام المستهلكين والشركات على حد سواء. قبل 5 سنوات، استندت المخاوف بشأن قلة المنافسة الرقمية إلى أسباب منطقية؛ فقد هيمنت حفنة من المؤسسات العملاقة؛ «أمازون»، و«أبل»، و«غوغل»، و«ميتا»، و«مايكروسوفت»، على اقتصاد التكنولوجيا. ولم يكن في معظم فئات المنتجات الرئيسية سوى منافسين أو 3 منافسين جادين، مثل محركات البحث («غوغل» و«بينغ» من «مايكروسوفت») وأنظمة تشغيل الهواتف المحمولة (iOS من «أبل»، و«أندرويد» من «غوغل»). ومع ظهور أسواق جديدة كالحوسبة السحابية، سرعان ما بسطت الشركات الكبرى سيطرتها.
كانت هذه فرصاً كبرى. واستحوذت «غوغل» على نحو 90 في المائة من عمليات البحث، وتميزت ريادتها بالاستقرار. ولم يكن بإمكان مستخدمي «فيسبوك» نقل شبكاتهم الاجتماعية إلى منصة منافسة، ولا أدري كيف سأتمكن من الخروج من منظومة «أبل» الرقمية، إذا ظهر بديل أفضل. وأصبحت بعض المنصات بوابات شبه إلزامية. كما يخاطر كثير من الشركات بقدرتها على اقتحام عالم التجارة الإلكترونية، ما لم تستعن بـ«أمازون».
من جهتي، لطالما ظننتُ أن الذكاء الاصطناعي سيرسخ هذه المزايا، لكن اتضح أنني كنت مخطئاً تماماً.
لنأخذ على سبيل المثال «أرينا»، منصة رائدة تحظى بمتابعة واسعة، حيث تتنافس روبوتات الدردشة في اختبارات مباشرة دون معرفة مسبقة بالنتائج. ويتصدر مختبر «أنثروبيك» القائمة، وهو شركة تأسست قبل 5 سنوات فقط.
أما شركة «أوبن إيه آي»، التي تحتل المركز الثالث، فعمرها نحو عقد فقط. قبل عام، دخل منافس صيني غير متوقع إلى المنافسة مع «غوغل» بموارد أقل. وخلص بعض المراقبين إلى أن الشركات الكبرى لن تتمكن أبداً من مواكبة هذا التطور السريع. واستجابت «غوغل»، التي نشرت بحثاً عام 2017، استند إليه معظم الباحثين منذ ذلك الحين، بالعودة إلى نهج الشركات الناشئة. فقد شمر مؤسسها المشارك، سيرغي برين، عن ساعديه وانخرط من جديد في المنافسة. لم يقتصر الأمر على الشركة، التي تحتل الآن المركز الثاني، بل زاد من حدة المنافسة في هذا المجال بأكمله.
المؤكد أنه لا توجد في مجال الذكاء الاصطناعي شركات احتكارية كسولة تعتمد على أمجاد ومزايا الماضي. خلال العام الماضي، تناوبت الشركات الثلاث على صدارة قائمة «أرينا»، مع أداء قوي من شركات أحدث، مثل شركة «ديب سيك» الصينية، وشركة «ميسترال» الفرنسية، حيث يتطلب كثير منها رأس مال أقل من الأجيال السابقة من شركات الذكاء الاصطناعي.
علاوة على ذلك، لا تهيمن أي شركة بمفردها على جميع مجالات الذكاء الاصطناعي. مثلاً، تتصدر «أنثروبيك» حالياً مجال معالجة النصوص والبرمجة، بينما تقود «أوبن إيه آي» مجال تحويل النصوص إلى صور، و«إكس إيه آي» (التي تأسست قبل 3 سنوات) تتصدر مجال تحويل الصور إلى فيديو، وتقود «غوغل» مجال الذكاء الاصطناعي المدمج في البحث.
قبل أسابيع قليلة، كان معظم ما أقرأه على منصة «إكس» يُشيد ببرنامج «كلود كود» كمساعد بحثي ووكيل برمجة. الآن، يبدو أن كثيراً من هؤلاء المستخدمين قد انتقلوا الآن إلى منتج «أوبن إيه آي» المنافس، «كوديكس». واليوم، أصبح التنقل بين البرامج حسب الميزات والسعر أمراً شائعاً. ويعتمد كثير من الأفراد والشركات حالياً نماذج متعددة في آنٍ واحد، في ممارسة تُعرف باسم «تعدد الاستخدام».
عندما تطرح سؤالاً عبر خدمة مثل «بيربليكستي»، فقد تُوجّه استفسارك إلى نماذج «أوبن إيه آي» أو «أنثروبيك» أو «ميتا» أو «ميسترال»، بناءً على ما تتوقعه من أداء أفضل. وأصبح من الشائع بشكل متزايد أن يستخدم المطورون برامج توجيه إلى أي نظام ذكاء اصطناعي يعتبر الأرخص أو الأسرع. في الوقت نفسه، يُعدّ المستخدمون من أصحاب الأعمال أقل ارتباطاً بأنظمة الذكاء الاصطناعي مقارنةً بخدمات الحوسبة السحابية أو منصات البرامج الرئيسية.
سهّلت هذه المرونة في الانتقال بين المنصات على الشركات نقل مكاسب الابتكار إلى المستخدمين. وتوفر الباقات المجانية الآن إمكانات كانت تبدو شبه مستحيلة في السابق. وقد كانت «أوبن إيه آي» رائدة في طرح اشتراك شهري بقيمة 20 دولاراً قبل 3 سنوات، وهو سعر سارع كثير من المنافسين إلى مجاراته. ولم يتغير هذا السعر، حتى مع التحسن الكبير في الميزات والأداء.
ويتعلق هذا الاشتراك بمجرد الطبقة الأساسية للنموذج، التي يعلوها نظام واسع النطاق من تطبيقات المستهلكين، وأدوات المؤسسات، وتكاملات الأجهزة، والشركات الناشئة التي تهدف إلى خدمة قطاعات متخصصة، مثل الصالات الرياضية وصالونات الحلاقة.
اللافت أن المستخدمين ليسوا الوحيدين الذين ينتقلون بين المنصات، وإنما يتنقل العاملون في هذه الشركات كذلك فيما بينها، في تناقض صارخ مع بيئة العمل في «وادي السيليكون» خلال حقبة اتفاقيات عدم استقطاب الكفاءات.
وساهم هذا التغيير المستمر في منع أي نموذج تكنولوجي واحد من الهيمنة على القطاع. وتدفقت مبالغ هائلة من رأس المال الاستثماري بسخاء إلى مناهج بديلة، مثل النماذج العالمية التي تهدف إلى فهم الواقع بشكل مباشر أكثر من نماذج اللغة الضخمة، ولا يمكن للشركات القائمة تجاهلها.
الخلاصة أن قطاع الذكاء الاصطناعي قد يكون شديد التنافسية، على الأقل في المدى القريب. وتخسر الشركات الكبرى أموالاً مع كل عميل جديد في مجال الذكاء الاصطناعي، لأنها تتوقع أن تترجم حصتها السوقية الحالية إلى أرباح مستقبلية. وتشير التقييمات المرتفعة للغاية إلى أن المستثمرين يصدقون هذا التوقع، لكن الجدال الدائر حول احتمالية وجود فقاعة سوقية يُثبت أن الأمر لم يُحسم بعد.
وقد يُعيق عاملان في نهاية المطاف نجاح الذكاء الاصطناعي مالياً، حتى لو سارت الأمور على ما يرام من الناحية التكنولوجية. أولهما ظهور نماذج مفتوحة المصدر تتيح للمستخدمين تشغيل الأنظمة الأساسية وتخصيصها، من شركات مثل «ميتا» و«ديب سيك» و«ميسترال»، التي تُكلّف أقل في التطوير. لا تستطيع هذه النماذج أداء الوظائف الأكثر تقدماً، لكنها أكثر من كافية لمعظم الاستخدامات، وأفضل من أحدث النماذج الصادرة قبل عام واحد فقط. ومن المرجح أن يستمروا في الضغط على الأسعار بشكل عام.
أما العامل الثاني فهو التشابه بين المنتجات، فعندما لا يرى المستهلكون فرقاً كبيراً بين الخيارات، يميلون إلى اختيار الأقل سعراً. هذا النمط، الذي يُطلق عليه الاقتصاديون اسم «التحويل السلعي»، السبب وراء سعي الشركات الحثيث لتمييز منتجاتها. ومن بين الطرق التي تتبعها الشركات لتحقيق ذلك، تخصيص منتجاتها، ما قد يجعلها أكثر إرضاءً عند الاستخدام، لكنه في الوقت نفسه يزيد صعوبة التخلي عنها.

****

* خدمة «نيويورك تايمز»
التوقيع خدمة نورك تايمز. يعني. ؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى