مقالات

رمضان كريم.. دعوة لاستعادة “اللمة” قبل “المائدة”

بقلم د. قياتي عاشور
مع اقتراب عقارب الساعة من اللحظة الحاسمة، وبينما تفصلنا أيام قلائل -وربما سويعات- عن استطلاع هلال شهر رمضان المبارك، تعيش شوارعنا وبيوتنا حالة فريدة مما نسميه في علم الاجتماع بـ “الاحتفالية الجمعية”. تلك الحالة من “الدفء” والبهجة التي تميز الشخصية المصرية، حيث الزينة التي تملأ الشرفات، والفوانيس التي تضيء الحواري، والأسواق التي تضج بالحركة؛ كل هذا يعكس “مخزوناً حضارياً” من الكرم، وحباً متأصلاً لضيف عزيز ننتظره من العام للعام بشوق، فنفتح له أبواب قلوبنا قبل خزائن بيوتنا.
ولكن، إذا وضعنا هذا المشهد تحت مجهر التحليل الاجتماعي، سنجد أننا وسط هذه الفرحة العارمة، قد ننجرف أحياناً -بدافع الحب الزائد أو ما يعرف بـ “المحاكاة الاجتماعية”- إلى سلوكيات ترهقنا مادياً ونفسياً. نرى في هذه الأيام الأخيرة تدافعاً غير مسبوق على الأسواق، وشراءً كمياً للسلع يفوق الاحتياج الفعلي بمراحل، وكأننا نعيش حالة من “القلق الجماعي” نخشى فيها أن ينفد الخير بمجرد ثبوت الرؤية.
الحقيقة التي يجب أن نصارح بها أنفسنا بهدوء، هي أن هذا “السلوك الاستهلاكي الطقوسي”، رغم نبله ونيته الطيبة في إكرام الأهل، يتحول غالباً إلى عبء اقتصادي ثقيل على ميزانية الأسرة، خاصة في ظل الظروف الراهنة. والمفارقة السوسيولوجية هنا تكمن في أننا نصنع “الأزمة” بأنفسنا؛ فزيادة الطلب المفاجئ والتكالب هو ما يمنح الفرصة للبعض لاستغلال الموقف ورفع الأسعار، فنكون نحن الضحية والجلاد في آن واحد.
إن شهر رمضان في جوهره وفلسفته هو شهر “الخفة”؛ خفة الروح من الأحقاد، وخفة الجسد من الأثقال. هو فرصة ربانية لكسر “الروتين المادي” وترميم النفس، وليس موسماً لتعزيز “ثقافة الاستهلاك”. الجميل في رمضان ليس في كثرة أصناف الطعام التي تتراص على المائدة كنوع من “الوجاهة الاجتماعية”، بل في “اللمة” التي حولها؛ في الرأسمال الاجتماعي الحقيقي المتمثل في ضحكات العائلة، ودعوات الآباء، وصلة الرحم التي تذيب قسوة الحياة.
نحن بحاجة هذا العام، ونحن على أعتاب الشهر، أن نستقبله بـ “رشادة مجتمعية”. أن نشتري ما نحتاجه فعلاً بوعي، متحررين من سطوة الإعلانات أو ضغط العادات التي توهمنا بأن المائدة العامرة هي دليل المحبة الوحيد. علينا أن نتذكر أن “البركة” مفهوم كيفي لا كمي، تأتي في القليل وفي الرضا، وأن السعادة الحقيقية تكمن في المشاركة والتراحم، واستشعار حال الآخرين.
دعونا نجعل هذا الشهر الكريم فرصة للعودة إلى “البساطة الجميلة”؛ تلك القيم التي كانت تميز بيوت أجدادنا حين كان الطعام وسيلة “للمودة” لا غاية لـ “التخمة”. لنركز على جودة اللحظات والذكريات، لا على كمية الطعام التي نعدها ونلقي ببعضها لاحقاً. فرمضان هو شهر “القلوب العامرة” بالإيمان، وليس فقط “الموائد العامرة” بما يفيض عن حاجتنا.
كل عام وأنتم بخير، ورمضان كريم يعيد لنا السكينة، ويحفظ بيوتنا عامرة بالستر، مقتصدين في إنفاقنا، كرماء في أخلاقنا وتراحمنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى