رسائل من بيونغ يانغ: استعراض قوة أم إعادة رسم لقواعد الردع؟

شمس اليوم ✍️
أعادت المناورة العسكرية الواسعة التي أعلنت عنها كوريا الشمالية، والتي شملت المدفعية والصواريخ الباليستية
رسائل من بيونغ يانغ: استعراض قوة أم إعادة رسم لقواعد الردع؟
والطائرات المسيّرة الهجومية، تسليط الضوء على المشهد الأمني المتوتر في شبه الجزيرة الكورية، في وقت أثار فيه الصمت غير المعتاد لوسائل الإعلام الرسمية في بيونغ يانغ موجة من التساؤلات حول الرسائل الحقيقية وراء هذه التحركات.
مناورة متعددة الأسلحة ورسالة ردع مركبة
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية، شاركت خمس وحدات من الجيش الشعبي الكوري في “مناورة هجومية بالقوة النارية” جرت السبت، استخدمت خلالها أنظمة قتالية متطورة شملت صواريخ باليستية تكتيكية، وصواريخ كروز، وطائرات مسيّرة هجومية، إضافة إلى راجمات صواريخ ثقيلة تعمل بالضغط الحراري.
ورغم أن بيونغ يانغ لم تكشف عن موقع المناورة، فإن توقيتها يحمل دلالات واضحة، إذ جاءت بعد أيام قليلة من انتهاء تدريبات بحرية مشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، وهو ما يُقرأ عادة في إطار تبادل رسائل الردع بين الأطراف المتنافسة.
صمت إعلامي يثير التساؤلات
اللافت هذه المرة لم يكن إطلاق الصواريخ فحسب، بل امتناع وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية عن تغطية عمليات الإطلاق فور وقوعها، خلافاً لما اعتادت عليه بيونغ يانغ في مناسبات سابقة كانت تستخدم فيها التجارب العسكرية لأغراض دعائية وسياسية.
ويرى مراقبون أن هذا الصمت قد يعكس أحد احتمالين: إما أن القيادة الكورية الشمالية باتت تعتبر هذه العمليات جزءاً من النشاط العسكري الروتيني الذي لا يستدعي حملة إعلامية واسعة، أو أن بيونغ يانغ تسعى إلى توجيه رسائل استراتيجية أكثر هدوءاً، بعيداً عن التصعيد الإعلامي المباشر.
الطائرات المسيّرة والذخائر الذكية… تحول في العقيدة العسكرية
تكشف المناورة أيضاً عن تطور ملحوظ في طبيعة القدرات العسكرية الكورية الشمالية، إذ لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ الباليستية التقليدية، بل باتت تدمج بين المسيّرات الهجومية والأنظمة الصاروخية الدقيقة ضمن مفهوم “الضربات المركبة”، وهو اتجاه أصبح سمة رئيسية للحروب الحديثة.
هذا التطور يعكس سعي بيونغ يانغ إلى تعزيز قدرتها على الردع بأدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة، في ظل بيئة دولية تشهد سباقاً متزايداً نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة.
هل تتغير معادلة الردع في شرق آسيا؟
تأتي هذه التطورات في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقاً عن تقليص واسع لبعض المناورات المشتركة مع كوريا الجنوبية، مستنداً إلى علاقته الشخصية مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
إلا أن استمرار التجارب الصاروخية والمناورات العسكرية يشير إلى أن معادلة الأمن في شرق آسيا ما تزال قائمة على توازن دقيق بين الحوار السياسي واستعراض القوة العسكرية، حيث تتحول كل مناورة أو تجربة صاروخية إلى رسالة استراتيجية تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية، لتصل إلى القوى الكبرى المنخرطة في التنافس الإقليمي والدولي.
وبين الصواريخ التي تُطلق والصمت الذي يرافقها أحياناً، تبقى الرسالة الأبرز أن بيونغ يانغ تسعى إلى تثبيت موقعها كفاعل عسكري يصعب تجاهله في معادلات الأمن الآسيوي، حتى وإن اختارت هذه المرة أن تتحدث بالنيران أكثر مما تتحدث بالكلمات.