رؤية نقدية في “تنهيدة حرية” للروائية د. رولا غانم

رؤية نقدية د. بسيم عبد العظيم عبد القادر شاعر وناقد أكاديمي كلية الآداب ـ جامعة المنوفية رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر
تقدم رواية “تنهيدة حرية”، نسيجاً سردياً يمزج بين الواقع التاريخي والمعاناة الإنسانية في قلب المجتمع الفلسطيني، وتتناول محطات قاسية من حياة الشخصيات، مثل غادة وبتول وخالد، مسلطة الضوء على موضوعات الفقد، والغربة، ومرارة الاحتلال.
كما تستعرض الرواية تفاصيل العلاقات الأسرية المعقدة، والصراعات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الأفراد تحت وطأة الضغوط المعيشية، وتبرز الهجرة كخيار صعب للبحث عن الذات، بينما يظل الأمل حاضراً من خلال ذكريات الوطن وقضايا الأسرى والحرية.
وتعد الرواية ـ في جوهرها ـ توثيقاً أدبياً للمقاومة النفسية والتمسك بالهوية رغم تتابع النكبات.
نضال المرأة الفلسطينية لنيل استقلالها الذاتي
تعكس القصص المتنوعة في رواية “تنهيدة حرية” نضال المرأة الفلسطينية لنيل استقلالها الذاتي من خلال عدة محاور تتمثل في التحرر من القهر الأسري، والسعي وراء الاستقلال الاقتصادي، وتحدي النظرة المجتمعية القاصرة.
ويمكن تلخيص هذا النضال عبر الشخصيات التالية:
نضال “سلمى” ضد الاستبداد والفقر: عانتْ “سلمى” من ويلات اللجوء والفقر بعد تهجير والديها من يافا إلى غزة، فقد تزوجتْ في سن السادسة عشرة من رجل أذاقها “السموم” واستغل صغر سنها، وتمثل نضالها في قرارها الهروب من حياة الذل والقمع التي فرضها عليها زوجها “سامي”، حيث تركتْ رسالة تعبر فيها عن استيائها وعدم قدرتها على الاستمرار في تلك الحياة المقيتة، وفي نهاية المطاف، استطاعتْ تحقيق استقلالها وبناء ثروة ومكانة اجتماعية مستقلة في عمَّان.
تحول “بتول” من الضعف إلى القيادة: خضعتْ “بتول” في البداية لظروف قاسية، وعاشتْ حياة انطوائية بسبب الظلم الذي تعرضت له في طفولتها، وتفاقمتْ معاناتها بزواجها من “هشام” الذي كان يعنفها جسدياً ويعايرها بإنجاب البنات، وقد برز استقلالها الذاتي عندما قررتْ الانفصال عنه ورفض العودة إليه حتى لو جاءها راكعاً، ولم تكتفِ بذلك، بل ناضلتْ لتطوير نفسها عبر التعليم والدورات التدريبية في التنمية البشرية، حتى افتتحتْ معهدها الخاص وأصبحتْ امرأة منتجة تعيل نفسها وبناتها بكرامة.

كفاح “غادة” من أجل الكيان المستقل: رفضتْ “غادة” أنْ تظل “جارية” تخدم زوجة أبيها أو جدتها، وقررتْ العمل في محل للملابس لتعيل نفسَها وأخاها، وتجلى استقلالها الذاتي في رفضها عرض الزواج من “يوسف” الثري الذي أرادها زوجة في “السر”؛ لأنَّها رفضتْ أنْ تكون وسيلة للمتعة فقط أو أنْ تظلم امرأة أخرى، وانتهى نضالها بالهجرة إلى إسبانيا حيثُ أسستْ عملها الخاص في الفن والتحف، محققة ذاتها بعيداً عن قيود المجتمع التقليدي.
دور الوعي والعلم (إيناس): تمثل “إيناس” الجيل الواعي الذي يتسلح بالعلم (المحاماة) للدفاع عن حقوق المرأة، وكانت هي الداعم الأساسي لـ “بتول”، حيث حثتها على العمل والاستقلال قائلة إنَّ على المرأة أنْ تعمل لتعيل نفسها ولا تحتاج لـ “ظل رجل”. وتُظهر هذه النماذج أنَّ استقلال المرأة في الرواية لم يكن منحة، بل كان ثمرة لتمردها على الواقع وقدرتها على تحويل الآلام إلى قوة دافعة نحو العمل والتعليم وامتلاك القرار.
الحنين إلى الوطن والهجرة
يلعب الحنين إلى الوطن والهجرة دوراً محورياً في تشكيل هوية شخصيات رواية “تنهيدة حرية”، حيث تتأرجح هذه الهوية بين ألم الفقد في الذاكرة والبحث عن الذات في الغربة، ويمكن تفصيل هذا الدور من خلال النقاط التالية:
الذاكرة كمرتكز للهوية (سلى ووالداها): تشكلتْ هوية “سلى” من خلال “حلم العودة” الذي ورثته عن والديها اللذين هُجّرا من يافا إلى غزة بعد النكبة، فقد عاش والداها “قيد الانتظار”، وماتا “قهراً” وهما يحلمان بالعودة، مما جعل هوية سلى مرتبطة بأوراق الملكية والمفتاح القديم كرموز للحق والوجود، وتستعيد سلى هويتها الفلسطينية من خلال ذكريات طفولتها على شاطئ رفح، ورائحة بيارات البرتقال والليمون التي تفوح من تاريخ المدن الفلسطينية العريقة.
الهجرة كوسيلة لتحقيق الذات (غادة وخالد): بالنسبة لـ “غادة”، مثلتْ الهجرة إلى إسبانيا هروباً من واقع التهميش والفقر في الوطن إلى فضاء يقدّر موهبتها الفنية، لقد أعادتْ الهجرة صياغة هويتها من “امرأة مضطهدة” إلى “فنانة مستقلة” تمتلك متجراً وتشارك في منتديات ثقافية، ومع ذلك ظلتْ هويتها مرتبطة بجذورها من خلال تواصلها الدائم مع عائلتها، أما “خالد”، فقد شكلتْ الهجرة هويته كبطل رياضي عالمي، حيثُ رأى في نجاحه في ملاعب إسبانيا وسيلة لـ “رفع رأس فلسطين عالياً”.
الهوية كفعل مقاومة (حمزة): تشكلت هوية “حمزة” من خلال الوعي السياسي العميق بتاريخ فلسطين وما حل بها من نكبات، فالهوية بالنسبة له ليستْ مجرد حنين، بل هي التزام بالنضال والمقاومة لاسترداد الأرض المسلوبة، وهو ما دفعه للقيام بعملية فدائية جعلتْ منه “أيقونة” في عيون مجتمعه.
الترابط الاجتماعي والحفاظ على الموروث: تظهر الهوية الجماعية في أحاديث نساء الحي اللواتي يجتمعن لاستذكار مدن فلسطين وعراقتها، مما يخلق نوعاً من “الوطن المعنوي” في الغربة (عمَّان)، وهذا الحنين المشترك يعزز الروابط الإنسانية ويجعل من الجيران “عائلة بديلة” تخفف من قسوة اللجوء.
الصراع بين البقاء والاغتراب (بتول): بقيتْ هوية “بتول” مرتبطة بالأرض (طولكرم)، حيث رفضتْ التأقلم مع فكرة العيش في عمَّان أثناء زيارتها لغادة، وظل قلبها معلقاً بفلسطين وبحبيبها الأسير “حمزة”.
إنَّ الهوية في الرواية ليستْ حالة ثابتة، بل هي مزيج من آلام الماضي وتطلعات المستقبل، حيثُ يظل الوطن هو البوصلة التي توجه قرارات الشخصيات حتى وهم في أقصى بلاد الغربة.

القيود الاجتماعية والسياسية
تؤثر القيود الاجتماعية والسياسية في رواية “تنهيدة حرية” بشكل عميق على مسارات الشخصيات، حيث تشكل هذه الضغوط تحديات مستمرة تعوق وصولهم إلى الحرية الفردية والوطنية، وتجبرهم على اتخاذ قرارات مصيرية لتجاوزها، ويمكن تفصيل هذه التأثيرات من خلال المحاور التالية:
1 ـ القيود السياسية والاحتلال (النكبة والمقاومة):
التهجير وفقدان الهوية: أدى الاحتلال والتهجير القسري من يافا إلى غزة (النكبة) إلى تحويل مسار حياة والدي “سلى” من الرفاهية إلى الفقر واللجوء، مما جعلهما يعيشان “قيد الانتظار” ويموتان قهراً وهما يحلمان بالعودة.
الاعتقال كعائق أمام الأحلام: يمثل اعتقال “حمزة” قيداً سياسياً مباشراً حرمه من إكمال حياته الطبيعية مع “بتول” لسنوات طويلة، وأجبره على العيش خلف القضبان كضريبة لنضاله الوطني، كما أنَّ اعتقال “هشام” سابقاً أدى إلى حرمانه من إكمال تعليمه الجامعي، مما أثر سلباً على مستقبله المهني.
الهجرة والشتات: يظهر تأثير القيد السياسي في دفع “خالد” و”غادة” نحو الهجرة إلى إسبانيا بحثاً عن فضاء أرحب يحققون فيه أحلامهم التي ضاقتْ بها حدود الوطن تحت وطأة الفقر والاحتلال.
2 ـ القيود الاجتماعية والأعراف التقليدية:
تزويج القاصرات والقهر الأسري: تعرضتْ “سلى” لقيد اجتماعي تمثل في تزويجها وهي في سن السادسة عشرة من رجل استغل يُتمها وصغر سنها، وأذاقها الويل والفقر، مما دفعها في النهاية للتمرد والهروب لنيل حريتها.
النظرة المجتمعية للمرأة والمطلقة: واجهتْ “بتول” قيوداً اجتماعية خانقة تمثلتْ في معايرة حماتها وزوجها لها بإنجاب البنات فقط، واعتبارهن “غير محسوبات” في المجتمع، كما ظهر القيد الاجتماعي في رفض والدة حمزة لارتباطه بـ “بتول” كونها امرأة مطلقة ولديها أطفال، معتبرة ذلك خروجاً عن العادات.
الاستغلال الذكوري: واجهت “غادة” قيوداً اجتماعية في العمل والمنزل، حيثُ أراد “يوسف” استغلال حاجتها المادية ليتزوجها “بالسر” بعيداً عن أعين الناس، وهو ما رفضته معتبرة إياه نوعاً من العبودية المقنعة.
3 ـ القيود الاقتصادية وأثرها على الحرية:
الفقر كمحرك للقرارات: كان الفقر قيداً دفع “سامي” (والد بتول) للتنازل عن أطفاله لإعالتهم من قبل الآخرين، كما كان سبباً في تعاسة “بتول” مع “هشام” الذي لم يكن يملك ثمن علبة سجائر ويعيش على الديون.
العمل كأداة للتحرر: في مواجهة هذه القيود، لجأتْ الشخصيات إلى العمل والاستقلال المادي لكسر القيود؛ فـ “بتول” التحقت بدورات التنمية البشرية وافتتحتْ معهدها الخاص لتتحرر من الحاجة لـ “ظل رجل”.
4 ـ دور الوعي والتعليم في كسر القيود:
تمثل “إيناس” الشخصية التي تستخدم العلم (المحاماة) كأداة لمواجهة القيود الاجتماعية والسياسية، حيث كانتْ تحث “بتول” على عدم الخضوع للظلم المجتمعي، مؤكدة أنَّ “المرأة يجب أنْ تعمل لتعيل نفسها.
كما أدركتْ الشخصيات أنَّ “الحرية صوت لا يسمعه العبيد”، وأنَّ كسر القيود يبدأ من الداخل عبر اتخاذ قرارات حازمة حتى لو كانت مؤلمة.
أحداث الرواية
تتمحور أحداث رواية “تنهيدة حرية” حول رحلة شاقة من المعاناة، واللجوء، والبحث عن الخلاص، ممتدة عبر أجيال من عائلة فلسطينية واحدة، حيث تتشابك خيوط الماضي والحاضر لتصوغ قصة نضال من أجل الكيان والحرية، ويمكن تقسيم أبرز أحداث الرواية إلى المحاور التالية:
1 ـ مأساة “سلى”: النكبة والهروب من الجحيم
تبدأ القصة بجذور المأساة مع تهجير والدي “سلى” من يافا إلى غزة إبان النكبة عام ١٩٤٨، حيث عاشا “قيد الانتظار” وماتا قهراً دون العودة إلى ديارهما.
تزوجتْ “سلى” وهي في سن السادسة عشرة من رجل يدعى “سامي”، الذي استغل يتمها وصغر سنها وأذاقها ألوان الفقر والقمع، مفضلاً زوجته الأولى عليها وحابساً إياها في المنزل.
وبعد سنوات من العذاب وإنجابها لـ (بتول، وغادة، وخالد)، اتخذتْ سلى قراراً مصيرياً بـ الهروب وترك أطفالها خلفها نتيجة القمع المستمر، تاركة رسالة تعبر فيها عن عدم قدرتها على الاستمرار في تلك الحياة المقيتة.
2 ـ شتات الأبناء ومعاناتهم مع الجدة “آمنة”
بعد اختفاء الأم، تولتْ الجدة “آمنة” (والدة سامي) تربية الأطفال بقسوة متناهية، فكانتْ تعايرهم بوالدتهم وتعتبرهم عبئاً ثقيلاً.
ونتيجة ضيق الحال والمشاحنات الأسرية، تم تمزيق شمل الإخوة؛ حيثُ أُرسلتْ “بتول” لتعيش مع “خليل ووفاء” في طولكرم، بينما بقيتْ “غادة” و”خالد” يخدمان الجدة وزوجة الأب “مريم”.
3 ـ مسار “بتول”: بين الحب المفقود والزواج القاسي
عاشت بتول في كنف “خليل ووفاء” اللذين عاملاها كابنتهما، وهناك وقعتْ في حب الشاب “حمزة”.
انقلبت حياة بتول رأساً على عقب بعد قيام حمزة بعملية فدائية أدتْ إلى مقتل جنود احتلال، ومن ثم اعتقاله والحكم عليه بالسجن المؤبد.
وتحت الضغط الاجتماعي، تزوجتْ بتول من “هشام” الذي كان رجلاً عنيفاً، يعنفها جسدياً ويعايرها بإنجاب البنات (أنجبتْ منه أربع بنات)، حتى وصل بها الأمر إلى طلب الطلاق والانفصال عنه نهائياً لتحقق استقلالها الذاتي.
واستطاعت بتول تطوير نفسها عبر العلم وافتتحتْ معهداً للتنمية البشرية، لتصبح امرأة منتجة تعيل نفسها وبناتها.
4 ـ مسار “غادة” و”خالد”: الهجرة وبناء الذات
كافحت “غادة” لإعالة نفسها وأخيها خالد، وعملتْ في محل ملابس حيث رفضتْ عرضاً للزواج السري من رجل ثري يُدعى “يوسف”، مفضلة كرامتها على المال.
وبسبب موهبته الكروية، تمكن “خالد” من الهجرة إلى إسبانيا للعب في نادٍ رياضي، وتبعته “غادة” لاحقاً لتؤسس حياتها هناك كفنانة وصاحبة متجر للتحف.
5 ـ النهاية: عودة الغائب وتحقق “تنهيدة الحرية”
تتوج الأحداث بـ تحرر “حمزة” من الأسر ضمن صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار)، ليعود ويلتقي ببتول ويتزوجا، وينجبا ابنهما “مجاهد”.
تحدث المفاجأة الكبرى عندما تتواصل “سلى” مع ابنتها بتول عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد عقود من الغياب، ويكتشف الأبناء أنَّ أمهم أصبحتْ سيدة أعمال ثرية في عمَّان.
وتنتهي الرواية بلقاء الأبناء بأمهم في عمان، حيث تكشف سلى عن وصيتها التي تمنح فيها ممتلكاتها لأبنائها، معلنة بذلك نهاية زمن الظلم وبداية عهد جديد من الحرية والاستقرار.
شخصيات الرواية
تزخر رواية “تنهيدة حرية” بشخصيات إنسانية مركبة، تعبر كل واحدة منها عن جانب من جوانب المعاناة الفلسطينية، سواء تحت وطأة الاحتلال أو داخل قيود المجتمع التقليدي.
وهذه أبرز شخصيات الرواية وأدوارها:
1 ـ الشخصيات النسائية المحورية:
سلى: هي الأم والجدة التي بدأتْ منها الحكاية؛ هُجِّرتْ مع والديها من يافا إلى غزة بعد النكبة، وعاشتْ حياة قاسية قوامها “الانتظار”، وتزوجتْ في سن السادسة عشرة من “سامي” الذي أذاقها الويل، مما دفعها للهروب وترك أطفالها خلفها بحثاً عن كرامتها، وانتهى بها المطاف سيدة أعمال ناجحة في عمَّان.
بتول: الشخصية الرئيسية في الرواية وابنة سلى؛ عانتْ من شتات أسري وقسوة من جدتها “آمنة” وزوجة أبيها، وعاشت قصة حب عميقة مع “حمزة”، لكنها اضطرت للزواج من “هشام” الذي كان يعنفها جسدياً ونفسياً، وتمثل بتول نموذج الإرادة، حيث نالتْ طلاقها، وأكملتْ تعليمها، وأصبحتْ مدربة تنمية بشرية تُعيل بناتها الأربع.
غادة: شقيقة بتول، وتتميز بشخصية قوية ومتمردة منذ صغرها، فقد رفضت أنْ تكون “خادمة” لزوجة أبيها، وعملتْ لتعيل نفسها وأخاها “خالد”، وتجلى كبرياؤها في رفض الزواج السري من “يوسف” الثري، واختارتْ الهجرة إلى إسبانيا حيث أثبتتْ نجاحها كفنانة وصاحبة متجر للتحف.
إيناس: ابنة خليل ووفاء (التي تربتْ معها بتول)؛ هي المحامية الواعية التي مثلتْ السند القانوني والمعنوي لبتول، وكانتْ تحثها دائماً على الاستقلال والعمل.
2 ـ الشخصيات الرجالية:
حمزة: يمثل رمز النضال والمقاومة؛ قام بعملية فدائية أدتْ لاعتقاله لسنوات طويلة، وظل وفياً لحبه لبتول رغم الأسر، وتحرر في صفقة “وفاء الأحرار” ليتزوجها في النهاية.
خالد: شقيق بتول وغادة؛ عانى من طفولة بائسة لكنه امتلك موهبة كروية فذة، هاجر إلى إسبانيا وأصبح لاعباً محترفاً، محققاً حلمه في “رفع رأس فلسطين” عالمياً.
خليل: الرجل الذي احتضن بتول وعاملها كابنته؛ يمثل القيم الإنسانية النبيلة والأب البديل الحنون، وترك وصية تضمن حقوق بتول وبناتها.
هشام: زوج بتول الأول، ويمثل الجانب المظلم والقاسي؛ كان رجلاً فوضوياً، عاطالاً عن العمل، ويعنف زوجته ويعايرها بإنجاب البنات.
سامي: والد بتول؛ رجل مستبد وبخيل، تزوج من سلى واستغل صغر سنها، وكان سبباً في تشتت عائلته بقراراته الأنانية.
3 ـ الشخصيات الثانوية المؤثرة:
آمنة (الجدة): والدة سامي؛ اتسمتْ في البداية بالقسوة وتسلط اللسان على سلى وأحفادها، لكنها في نهاية حياتها شعرتْ بالندم وطلبتْ السماح من بتول قبل وفاتها.
وفاء: زوجة خليل، وهي الأم البديلة التي غمرتْ بتول بالحنان ودعمتها في كافة أزماتها.
يوسف: رجل ثري حاول استغلال حاجة غادة المادية للزواج منها سراً، مما يعكس نظرة بعض فئات المجتمع للمرأة كـ “وسيلة للمتعة”.
وتتشابك هذه الشخصيات لترسم صورة بانورامية للمجتمع الفلسطيني بين ألم اللجوء، وصمود المقاومة، وكفاح المرأة لإثبات وجودها.
المكان والزمان في الرواية
تتداخل الأبعاد المكانية والزمانية في رواية “تنهيدة حرية” لترسم خارطة الشتات الفلسطيني ومعاناة المرأة عبر أجيال مختلفة، حيث ينتقل السرد بين مدن فلسطينية وعواصم عربية وأوروبية، ممتداً من نكبة عام 1948 وصولاً إلى الوقت الحاضر، ويمكن تناول المكان والزمان في الرواية على النحو التالي:
أولاً: المكان (جغرافيا الشتات والبحث عن الذات)
يتشكل المكان في الرواية كعنصر محوري يعكس حالة اللجوء والاستقرار القلق، وتبرز فيه عدة محطات رئيسية:
يافا (الوطن المفقود): تمثل يافا جذور المأساة، وهي المدينة التي هُجّر منها والدا “سلى” عريسين عام 1948، وتركا فيها بيتهما المطل على الشاطئ وأوراق ملكيتهما ومفتاحهما القديم.
غزة ورفح (محطة اللجوء الأولى): انتقل والدا سلى إلى رفح حيث عاشا “قيد الانتظار” وماتا قهراً، وفي غزة، بدأتْ سلى حياتها الزوجية القاسية مع “سامي” قبل أنْ تقرر الهروب.
عمَّان (مركز الأحداث الراهنة): انتقلتْ إليها سلى مع قريب لها وتزوجتْ فيها، وهي المكان الذي شهد استقرارها اللاحق كسيدة أعمال ولقاءها بأبنائها في نهاية الرواية، كما أنها المكان الذي عاش فيه الأبناء (غادة وخالد) مع جدتهم “آمنة” في أحياء شعبية قبل هجرتهم.
طولكرم (مكان النشأة والاستقرار): هي المدينة التي انتقلتْ إليها “بتول” لتعيش في كنف “خليل ووفاء”، وفيها دارتْ معظم تفاصيل حياتها، من قصة حبها مع حمزة إلى زواجها من هشام وتربية بناتها.
نابلس: ذُكرتْ كمركز لتعليم حمزة في جامعة النجاح الوطنية، والمكان الذي افتتحتْ فيه بتول فرعاً لمعهدها الخاص بالتنمية البشرية.
إسبانيا (مدريد وغرناطة): تمثل الفضاء الذي حقق فيه “خالد” و”غادة” أحلامهما بعيداً عن قيود الوطن؛ حيثُ أصبح خالد لاعباً مشهوراً في مدريد، واستعادتْ غادة روحها الفنية في غرناطة وقصر الحمراء.
السجن (المعتقل): يبرز كـ “مكان قسري” قضى فيه “حمزة” سنوات طويلة من عمره خلف القضبان، وهو حيز مكاني يختزل معاناة الأسرى الفلسطينيين.
ثانياً: الزمان (من النكبة إلى “وفاء الأحرار”)
يتحرك الزمن في الرواية عبر خطوط زمنية متقاطعة تربط الماضي بالحاضر:
زمن النكبة (1948): هو نقطة الانطلاق الزمنية التي أسستْ لكل المآسي اللاحقة، حيثُ بدأ تهجير العائلة من يافا.
زمن السرد الراهن: يمتد عبر عدة عقود، مغطياً مرحلة طفولة سلى، ثم شباب أبنائها، وصولاً إلى نضج أحفادها، وتشير الروائية إلى أنَّ الرواية كُتبت في الفترة ما بين أكتوبر 2023 م ومايو 2024 م.
زمن المقاومة والأسر: يغطي السنوات الطويلة التي قضاها حمزة في السجن، وهي فترة شهدتْ تحول بتول من زوجة معنفة إلى امرأة مستقلة.
صفقة “وفاء الأحرار”: تمثل لحظة زمنية فارقة في الرواية، حيث تحرر فيها حمزة ضمن صفقة تبادل الأسرى، مما أدى إلى تحول جذري في مسار حياة الأبطال ونهاية عهد الحزن.
الزمن النفسي: يظهر في الرواية صراع الشخصيات مع “الانتظار”؛ فوالدا سلى ماتا وهما ينتظران العودة، وبتول قضتْ سنوات تنتظر حمزة، مما يجعل الزمن في الرواية زمن ركود وألم يتحول في النهاية إلى زمن حرية وانطلاق.
وبذلك، فإنَّ المكان والزمان في “تنهيدة حرية” ليسا مجرد إطار للأحداث، بل هما شركاء في صياغة هوية الشخصيات ومحرك أساسي لقراراتهم المصيرية.
التصوير الفني في الرواية
يتميز التصوير الفني في رواية “تنهيدة حرية” بأسلوب أدبي يمزج بين اللغة الشاعرية والرمزية العميقة، حيث توظف الكاتبة الصور الجمالية لتعبر عن مآسي الواقع الفلسطيني وصراعات المرأة النفسية، ويمكن استعراض أبرز ملامح التصوير الفني من خلال النقاط التالية:
1 ـ الصور الاستعارية والتشبيهات البليغة:
خيط العقد: تصف الكاتبة بناء الرواية وشخصياتها بـ “خيط كالذي ينظم حبات العقد”، حيث يتداخل الأبطال والضحايا والثوار في مسار إنساني واحد.
الذاكرة والحواس: تُصور الذاكرة بأنَّها “قاع” يهوي إليه القارئ، أو “صندوق أسود” يحتوي على آلام الماضي التي تُفتح جروحاً غائرة عند استرجاعها.
الطبيعة والشخصية: تُشبه شخصية “مي” بـ “الفراشة الحائرة” للدلالة على حيويتها وانطلاقها، بينما تُوصف الجدة “آمنة” بأنها مثل “ظل حائط عجوز” للتعبير عن ذبولها وتيبس مشاعرها في مرحلة ما.
2 ـ الرمزية المكثفة:
المفتاح وأوراق الملكية: يُعد المفتاح القديم رمزاً مركزياً لـ “حق العودة” والتمسك بالهوية، حيث احتفظ به والدا سلى رغم تهجيرهما وموتهما قهراً.
المرآة: تُستخدم المرآة كرمز للمواجهة مع الذات والتحول؛ فتارة هي “نذير شؤم” عند انكسارها، وتارة هي أداة لتأمل الجمال والقوة كما فعلتْ “رنا” عندما أجبرتْ “غادة” على النظر للمرآة لتستعيد ثقتها بنفسها.
تنهيدة الحرية: يمثل العنوان بحد ذاته صورة فنية للخلاص؛ فهي ليست مجرد صرخة، بل “ضمة مصحوبة بالتنهيدة” تأتي بعد رحلة طويلة من القهر.
3 ـ التوظيف الحسي (الصورة السمعية والشمية):
روائح الوطن: تبرز رائحة “بيارات البرتقال والليمون” كصورة شمية تربط الشخصيات بجذورها الفلسطينية العريقة.
رائحة “الكاز”: ترمز رائحة مدفأة الكاز وصوتها إلى “الدفء العائلي” المفتقد، رغم بساطته وقدمه.
الموسيقى والأغاني: تدمج الرواية كلمات الأغاني (مثل أم كلثوم ونزار قباني) لتكثيف الحالة الشعورية، مما يضفي طابعاً سينمائياً على المشاهد.
4 ـ ثنائية الظل والنور (التضاد الفني):
تستخدم الكاتبة التضاد لتوضيح الفوارق النفسية، مثل المقارنة بين “صقيع الغربة” و”حضن دافئ”، أو بين “زجاج شفاف” و”غبار معتم” يغطي الصور القديمة، مما يعكس ضبابية الرؤية تجاه الماضي.
5 ـ التصوير الواقعي للمأساة:
تصف الكاتبة الرواية بأنَّها من “ثمار الخراب”، وأنَّها كُتبت في وسط “جحيم القهر”، وهو تصوير فني يربط العمل الأدبي باللحظة التاريخية الراهنة التي تعيشها فلسطين (أكتوبر ٢٠٢٣ – مايو ٢٠٢٤).
إنَّ هذا التصوير الفني لا يهدف للزينة فقط، بل هو أداة لنقل المشاعر المعقدة التي تعجز اللغة المباشرة عن وصفها، مما يجعل من معاناة الشخصيات تجربة إنسانية ملموسة للقارئ.
السمات الأسلوبية في الرواية
تمتاز رواية “تنهيدة حرية” بأسلوب أدبي يجمع بين الواقعية المؤلمة واللغة الشاعرية المكثفة، حيث تستخدم الكاتبة أدوات أسلوبية متنوعة لنقل معاناة وتطلعات شخوصها عبر أجيال مختلفة، ويمكن تلخيص السمات الأسلوبية البارزة في الرواية فيما يلي:
1ـ اللغة الشاعرية والنثر الفني:
تعتمد الرواية على لغة تمزج بين السرد القصصي والبوح الشعري، حيث تصف الكاتبة بناء الرواية بأنه “خيط كالذي ينظم حبات العقد” يربط بين الأبطال والضحايا.
وتستخدم الصور الاستعارية لوصف الحالة النفسية، مثل تشبيه الذاكرة بـ “القاع” الذي يهوي إليه القارئ، أو بـ “صندوق أسود” يفتح جروحاً غائرة.
ويبرز هذا الأسلوب في العناوين الفرعية التي تحمل طابعاً رمزياً وجمالياً مثل: “غبار معتم على زجاج شفاف” و”فأس يده ليستْ خشبية”.
2 ـ التناص والاستشهاد بالأعمال الفنية:
توظف الرواية الأغاني والقصائد لتعميق الحالة الشعورية للشخصيات؛ فعندما تريد “بتول” إيقاظ شقيقاتها تغني لأم كلثوم (“يا صباح الخير ياللي معانا”).
ويظهر التناص بوضوح من خلال استحضار أشعار نزار قباني للتعبير عن مشاعر الحب والتمرد، كما في استشهاد بتول بقصيدة “اختاري” و”يوميات امرأة لا مبالية” لتعزيز موقفها من الحياة والعاطفة.
كما يتم ذكر رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ في سياق حواري فلسفي بين بتول وخليل حول العدل والوجود.
3 ـ البناء السردي القائم على “الاسترجاع” (Flashback):
ينطلق السرد بين الحاضر والماضي بشكل انسيابي؛ حيث تبدأ الأحداث من جلسة عائلية في الحديقة لتنطلق منها الذاكرة نحو أحداث النكبة عام 1948 والتهجير من يافا.
وتُستخدم “الصورة القديمة” كمحفز سردي (Narrative Trigger) لاستعادة تاريخ العائلة وتفاصيل حياة الأجداد والآباء.
4 ـ الرمزية المكثفة:
تستخدم الرواية رموزاً مادية لتعزيز الهوية والانتظار، مثل “المفتاح القديم” و”أوراق الملكية” التي ترمز لحق العودة.
“تنهيدة الحرية” في العنوان هي رمز للخلاص النهائي الذي يأتي بعد رحلة شاقة من القهر والانتظار، وهو ما تجسد في اللقاء الأخير في عمان.
“المرآة” تُستخدم كرمز للمواجهة مع الذات وإعادة اكتشاف القوة والجمال.
5 ـ التنوع في نبرات الخطاب:
يتراوح الخطاب في الرواية بين القسوة والغلظة (كما في لسان الجدة آمنة وهشام) وبين الحنان والتدفق العاطفي (كما في خطاب وفاء وخليل).
ويظهر هذا التباين لتوضيح الصراعات الطبقية والاجتماعية والنفسية التي تعيشها الشخصيات.
6 ـ الارتباط بالواقع التاريخي والسياسي:
الرواية مغلفة بوعي سياسي مباشر، حيث تصف الكاتبة عملها بأنَّه من “ثمار الخراب” الذي كُتب في ظل ظروف قاسية (أكتوبر 2023 م- مايو 2024م).
ويتم دمج أحداث واقعية مثل صفقة “وفاء الأحرار” لتحرير الأسرى كجزء أساسي من تطور الحبكة.
إنَّ هذه السمات تجعل من “تنهيدة حرية” عملاً أدبياً يجمع بين التوثيق التاريخي للمأساة الفلسطينية والتحليل النفسي العميق للمرأة في مواجهة قيودها، مصوغاً في قالب جمالي لافت.
تحية تقدير للأديبة الفلسطينية د. رولا غانم خصوصا، وللمرأة الفلسطينية المجاهدة الصابرة التي لقنتْ العالم دروسا عظيمة عبر تاريخها منذ نكبة 1948م حتى طوفان الأقصى، وما تزال مرابطة في غزة وفي بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، على أمل أن نلتقي قريبا للصلاة في المسجد الأقصى محررا، فتلك أمنيتي وأمنية كل مؤمن.










