أخبار عالمية
حين تتحول “المقاومة” إلى عبء: من غزة إلى إيران، السلاح حين يصادر حياة الناس

يارا المصري
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تعود الشعارات قادرة على إخفاء الواقع. فبين غزة وإيران، ورغم اختلاف السياقات الدينية والسياسية، يظهر قاسم مشترك واحد: مجتمعات أُرغمت على العيش تحت هيمنة “مقاومة” مسلّحة، حوّلت نفسها من أداة مواجهة إلى سلطة فوق المجتمع، وصادرت حق الناس في تقرير مصيرهم.
في إيران، رُفعت راية “المقاومة الشيعية” لعقود بوصفها خط الدفاع الأول ضد “الاستكبار” والمؤامرات الخارجية. لكن هذه المقاومة، كما تجسدت في سياسات الدولة وأذرعها العسكرية، لم تعد مشروع حماية للمجتمع الإيراني، بل غطاءً لتبرير القمع الداخلي، وتغليب التوسع الإقليمي على رفاه المواطن. المواطن الإيراني لم يُستشر حين جرى توجيه ثروات بلاده إلى الخارج، ولم يُمنح خيار الاعتراض حين طُلب منه شدّ الحزام باسم “المعركة الكبرى”.
وفي غزة، سلكت “المقاومة السنية” بقيادة حماس مسارًا موازيًا، وإن اختلف الخطاب المذهبي. فالسلاح هنا أيضًا لم يعد وسيلة ضمن استراتيجية وطنية جامعة، بل تحوّل إلى أساس شرعية الحكم. باسم المقاومة، جرى احتكار القرار، وتهميش المجتمع، وتحويل غزة إلى ساحة اختبار عسكري دائم. وكما في الحالة الإيرانية، دُفعت أثمان هذه السياسات من حياة المدنيين، لا من مكاتب القيادة.
اللافت أن النموذجين، رغم اختلاف المرجعيات الدينية، يتشابهان في الجوهر: مقاومة مؤدلجة ترى نفسها فوق المساءلة، وتُقدّس السلاح أكثر مما تحمي الإنسان. في الحالتين، يُطلب من المجتمع الصبر والتضحية إلى ما لا نهاية، بينما يُمنع عليه السؤال: إلى أين؟ ولماذا؟ ومتى تنتهي هذه “المعركة”؟
الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة شكّلت لحظة كسر لهذا المنطق. لم يخرج الناس ضد الدين، ولا ضد الهوية، بل ضد تحويل “المقاومة” إلى ذريعة لسلبهم حق الحياة الكريمة. الرسالة كانت واضحة: لا قداسة لمشروع يدمّر المجتمع من الداخل، مهما كان خطابه عالي النبرة.
في غزة، لم يصل هذا الوعي بعد إلى مستوى الفعل الجماعي الواسع، لكن ملامحه بدأت تظهر في التعب الشعبي، وفي الأسئلة التي تُقال همسًا: ماذا جلب لنا السلاح؟ ماذا تغيّر بعد كل هذه السنوات؟ ولماذا تُختزل كرامتنا دائمًا في قدرتنا على التحمل لا في حقنا بالعيش؟
نقد “المقاومة السنية” في غزة لا يعني التخلي عن الحقوق الفلسطينية، تمامًا كما أن نقد “المقاومة الشيعية” في إيران لا يعني الاصطفاف مع أعداء البلاد. بل يعني إعادة تعريف المقاومة ذاتها: هل هي مشروع لحماية الإنسان، أم آلية دائمة لإبقائه رهينة؟ هل هي وسيلة لتحقيق غاية سياسية واضحة، أم غاية بحد ذاتها تُغذّى بلا نهاية؟
ما يجمع التجربتين هو أن السلاح، حين ينفصل عن الإرادة الشعبية ويُدار خارج أي رقابة، يتحول إلى أداة قمع داخلي قبل أن يكون وسيلة مواجهة خارجية. وحين تُختزل الوطنية أو العقيدة في البندقية، يُلغى الإنسان من المعادلة.
لقد أدرك جزء متزايد من المجتمع الإيراني أن استعادة الحياة تبدأ باستعادة الصوت، وبكسر الخوف، وبالقول إن مستقبل البلاد لا يُدار من فوهة السلاح وحدها. هذا الدرس، بكل تعقيداته ومخاطره، يطرح نفسه اليوم أمام سكان غزة: لا خلاص لمجتمع يُمنع من مساءلة من يحكمه باسم “المقاومة”.
في النهاية، لا السنية ولا الشيعية تمنح شرعية تلقائية للسلاح، ولا أي عقيدة تُبرّر تحويل الناس إلى وقود دائم لمعارك لا يختارونها. المقاومة الحقيقية، في غزة كما في إيران، هي تلك التي تحمي الإنسان، لا التي تطالبه بالتضحية بحياته إلى أجل غير مسمّى. وحين يأخذ الناس قرارهم بأن حياتهم ليست تفصيلًا، يبدأ التغيير، ولو ببطء.










