مجتمع

«حظك من حظ أم زوجك»… حين تتحوّل المقولة الشعبية إلى تشخيص اجتماعي

ليست كل المقوالات الدارجة سذاجة لغوية أو أحكامًا متسرّعة. بعضُها، حين يُقرأ بهدوء، يكشف عن وعي اجتماعي عميق اختصرته الذاكرة الشعبية في جملة واحدة.
من بين هذه المقوالات تبرز عبارة: «حظك من حظ أم زوجك»، التي تُقابل غالبًا بالاستفزاز أو الرفض، باعتبارها قاسية أو ظالمة أو حتى معادية للأمهات.

غير أن القراءة المتأنية تكشف أن المقولة لا تحمل إدانة بقدر ما تحمل تشخيصًا.

البيت الأول… حيث يُصاغ الرجل

الرجل لا يولد زوجًا، بل يتكوّن نفسيًا داخل بيت أمه.
هناك، يتعلّم — من دون دروس مباشرة — كيف تُدار العلاقات، وكيف تُفهم السلطة، وما معنى الصبر، وأين تقف حدود الكرامة.

الأم التي عاشت القهر في صمت، وتكيّفت مع الإهانة باعتبارها «واجبًا أسريًا»، قد لا تقصد أبدًا توريث هذا النموذج، لكنها — من حيث لا تدري — تزرع في وعي ابنها فكرة أن تحمّل الألم فضيلة، وأن المرأة خُلقت لتحتمل أكثر مما يُحتمل.

والأم التي اعتادت دور الضحية الدائمة، وكسبت التعاطف عبر المظلومية، قد تخرّج رجلًا يرى نفسه محور الكون، ويتعامل مع المرأة باعتبارها وظيفة احتواء لا شراكة حياة.

في المقابل، الأم التي كانت محترمة، مسموعة الكلمة، مكرّمة داخل بيتها، غالبًا ما تربي رجلًا يفهم أن الاحترام ليس منّة، وأن الرجولة سلوك يومي، لا صوتًا عاليًا ولا سلطة فارغة.

أسئلة الخطوبة… ما يُقال وما لا يُقال

في مجتمعاتنا، لا تزال أسئلة الخطوبة تدور حول الشكل:
ماذا يعمل؟
كم يكسب؟
هل يحبّ؟

وهي أسئلة مشروعة، لكنها — وحدها — مضلّلة.
فالإجابات عنها سهلة، والادّعاء فيها أسهل.

السؤال الأهم، الذي نادرًا ما يُطرح بجدية، هو:
كيف تربّى؟
وفي أي مناخ عاطفي ونفسي نشأ؟

الجلوس مع الأم ليس لمحاكمتها، ولا لتصنيفها، بل لفهم اللغة التي تتحدث بها عن الحياة:
كيف تصف زواجها؟
هل ترى تعبها تضحية أم ظلمًا؟
هل تتحدث عن ابنها باعتباره رجلًا مسؤولًا أم ككائن معصوم من الخطأ؟

هذه التفاصيل الصغيرة ليست عابرة؛ إنها خرائط ذهنية تنتقل إلى الابن، وتظهر لاحقًا في شكل سلوك زوجي.

الزواج… دخول تاريخ كامل إلى حياتك

الزواج ليس ارتباط شخصين فقط، بل دخول تاريخ بيت كامل إلى حياة جديدة:
بتصوراته،
وبقناعاته،
وبجروحه غير المعالجة.

وما عاشته الأم لا يُعاد بالضرورة بالتفاصيل نفسها، لكنه غالبًا يُعاد بالمنطق ذاته:
منطق الصبر القهري،
أو منطق الشراكة،
أو منطق السيطرة،
أو منطق الكرامة.

وعي لا اتهام

هذا الطرح لا يدعو إلى كراهية الأمهات،
ولا إلى حرب بين الزوجة والحماة،
ولا إلى تعميم ظالم.

إنه دعوة إلى الوعي.

فليس كل رجل مؤهلًا للزواج،
وليس كل تأثير يمكن تجاهله بحسن النية.

الاختيار العاطفي وحده لا يكفي.
القلب قد يعمى،
أما العين الواعية فترى ما لا يُقال،
وتسمع ما لا يُحكى.

لأن الزواج، في النهاية،
ليس وعودًا جميلة،
بل واقعًا بُني
قبل أن تعرفي اسمه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى