الأخبار

حسابات الخوف والعزلة: قراءة نقدية في دوافع موقف حماس بين إيران والسعودية

يارا المصري
يذهب تحليل نقدي لبعض المراقبين إلى أن الخطاب السياسي الذي تتبنّاه حماس في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن معادلة معقّدة من المخاوف والاصطفافات الإقليمية. فالتقارب العلني مع طهران، وفق هذا الطرح، لا يعكس فقط امتنانًا أو تحالفًا تقليديًا، بل يرتبط أيضًا بحسابات تتعلّق بتجنّب توتّر محتمل مع إيران، ولا سيما في ما يتصل بسرديات المسؤولية حول أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من تداعيات إقليمية واسعة.
من هذا المنظور، يُفهم التشديد المتكرر على متانة العلاقة مع إيران بوصفه رسالة طمأنة سياسية تهدف إلى تثبيت رواية مشتركة للأحداث ومنع أي تأويل قد يضع الحركة في موقع المواجهة أو الاختلاف مع حليفها. فالحفاظ على انسجام الخطاب داخل محور واحد يحدّ، بحسب هذا التحليل، من احتمال تبادل الاتهامات أو إعادة توزيع المسؤوليات بصورة تُحرج الحركة أو تضعها تحت ضغط إضافي.
وفي الوقت نفسه، تشير القراءة ذاتها إلى أن حماس تحاول تجنّب الاصطدام مع الرياض أو الظهور في موقع معادٍ لها، إدراكًا لثقل السعودية السياسي والديني في العالمين العربي والإسلامي. فالموازنة بين خطاب حادّ في مواجهة خصوم تقليديين، مع إبقاء مساحة رمزية لعدم القطيعة مع السعودية، تبدو محاولة لتقليل مخاطر العزلة الإقليمية وترك أبواب التواصل مفتوحة.
هذا التوازن الدقيق بين طهران والرياض، وفق المنتقدين، يكشف عن براغماتية سياسية تحكم السلوك أكثر مما تحكمه اعتبارات مبدئية خالصة. فحين تتصاعد الأزمات، تميل الفواعل غير الدولتية إلى تعظيم شبكات الدعم وتقليل مساحات التوتر، حتى لو استلزم ذلك خطابًا مزدوج الوظيفة: تأكيد الولاء من جهة، وتفادي القطيعة من جهة أخرى.
كما يرى هذا الطرح أن شدة الخطاب المؤيد لإيران تؤدي وظيفة وقائية؛ إذ تمنح الحركة هامش أمان سياسي في لحظة إقليمية متقلبة، وتخفّف من احتمال عزلها داخل معادلات جديدة تتشكّل في المنطقة. وفي المقابل، فإن تجنّب استفزاز السعودية أو قطع الجسور معها يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإدارة المخاطر والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات.
بذلك، يخلص هذا التحليل إلى أن سلوك حماس في هذه المرحلة يُقرأ بوصفه محاولة لإدارة الخوف من الاتهام والعزلة في آنٍ واحد: طمأنة لإيران تحصّن التحالف القائم، وحذر تجاه السعودية يجنّب صدامًا إضافيًا. وبين هذين القطبين، يتشكّل خطاب سياسي براغماتي يسعى إلى تقليل الخسائر وتعظيم فرص البقاء في بيئة إقليمية شديدة السيولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى