المكيّفات تخفض حرارة الغرفة وترفع حرارة الأرض .. فما أثرها على صحة الإنسان ؟

مع اشتداد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في مناطق عديدة من العالم، أصبح جهاز التكييف بالنسبة إلى كثيرين وسيلة أساسية للحماية من الإجهاد الحراري ومخاطره. لكن الاعتماد المتزايد عليه يفتح في المقابل باباً لأسئلة مهمة: **هل يمكن أن يجعلنا المكيف مرضى؟ وهل تكمن المشكلة في الجهاز نفسه أم في طريقة استخدامه وصيانته؟ وما الثمن البيئي الذي ندفعه مقابل التبريد؟**
المفارقة أن المكيف يحمي الإنسان من أحد أخطر آثار ارتفاع الحرارة، لكنه إذا استُخدم بشكل مفرط أو أُهملت صيانته، قد يرتبط ببعض الأعراض الصحية، في حين يساهم استهلاكه المرتفع للطاقة وغازات التبريد في زيادة الضغوط البيئية.
## التكييف.. وسيلة حماية من خطر حقيقي
لا ينبغي النظر إلى أجهزة التكييف باعتبارها رفاهية في فترات الحر الشديد، إذ يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في حماية الإنسان من الإجهاد الحراري ومضاعفاته.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو **489 ألف وفاة سنوياً** كانت مرتبطة بالحر خلال الفترة بين عامي 2000 و2019، في وقت يؤدي فيه تغير المناخ إلى زيادة التعرض لموجات الحرارة القصوى.
ولهذا، يمكن أن يكون توفير مكان بارد أو مكيف خلال فترات الحر الشديد وسيلة مهمة للحماية، خصوصاً بالنسبة إلى **كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون أمراض القلب والجهاز التنفسي والكلى والأمراض المزمنة**.
لكن الاستفادة من المكيف لا تعني أن تشغيله لساعات طويلة وبأي درجة حرارة هو الخيار الأفضل.
## هل المكيف يسبب الزكام؟
من أكثر الأفكار شيوعاً الاعتقاد بأن التعرض للهواء البارد الخارج من المكيف يؤدي مباشرة إلى الإصابة بالزكام.
والحقيقة أن **الزكام عدوى فيروسية**، وليس نتيجة مباشرة للهواء البارد.
لكن الهواء البارد والجاف قد يسبب لدى بعض الأشخاص جفاف الأغشية المخاطية في الأنف والحلق أو تهيجها، خصوصاً عند التعرض المطول له. وقد تظهر نتيجة ذلك أعراض مثل السعال، وسيلان الأنف، واحتقان الأنف، والعطس أو الشعور بجفاف وتهيج الحلق.
وبالتالي، فإن ظهور هذه الأعراض بعد الجلوس في غرفة مكيفة لا يعني بالضرورة أن المكيف تسبب في عدوى، وإنما قد يكون مرتبطاً بظروف الهواء داخل المكان.
## ماذا تقول الدراسات عن الأماكن المكيفة؟
أشارت دراسة نُشرت عام 2023 في **المجلة الهندية للطب المهني والبيئي** إلى وجود ارتباط بين قضاء فترات طويلة في أماكن مكيفة وارتفاع بعض الأعراض التنفسية المرتبطة بما يعرف بـ”متلازمة المباني المريضة”.
وقارن الباحثون بين نحو 400 شخص بالغ سليم، يعمل نصفهم في أماكن مكيفة لمدة تتراوح بين ست وثماني ساعات يومياً منذ أكثر من عامين، بينما يعمل النصف الآخر في أماكن تعتمد على التهوية الطبيعية.
ووجدت الدراسة أن أعراضاً مثل جفاف أو التهاب الحلق، وسيلان الأنف، والعطس، واحتقان الأنف والصداع، كانت أكثر شيوعاً لدى العاملين في الأماكن المكيفة.
ويرتبط ذلك، بحسب الباحثين، بعدة عوامل محتملة، من بينها **الهواء البارد والجاف، وقلة دخول الهواء الخارجي، وتراكم بعض الملوثات داخل الأماكن المغلقة**.
## الصيانة.. خط الدفاع الأول
لا يتعلق الأمر بدرجة حرارة المكيف فقط، بل بجودة الهواء الذي يضخه أيضاً.
فأجهزة التكييف التي لا تخضع للصيانة والتنظيف المنتظمين قد تصبح بيئة لتراكم الغبار والملوثات وبعض مسببات الحساسية، وهو ما قد يؤثر في جودة الهواء الداخلي ويزيد الأعراض لدى الأشخاص الأكثر حساسية.
لذلك، من المهم:
* تنظيف أجهزة التكييف بصورة دورية.
* تغيير أو تنظيف الفلاتر وفق تعليمات الشركة المصنعة.
* التأكد من سلامة الجهاز ومجاري الهواء.
* عدم تجاهل الروائح غير الطبيعية أو انخفاض جودة الهواء.
* إجراء الصيانة المهنية عند الحاجة.
فالمكيف النظيف والمصان جيداً يختلف تماماً عن جهاز يعمل لسنوات من دون تنظيف أو فحص.
## للمكيف فوائد صحية أيضاً
على الرغم من المخاوف المرتبطة بسوء الاستخدام، فإن للتكييف فوائد صحية واضحة عندما يستخدم بطريقة مناسبة.
فإلى جانب تخفيف الحرارة، يمكن للتكييف أن يساعد في **خفض الرطوبة داخل الأماكن المغلقة**. كما أن إغلاق النوافذ وترشيح الهواء، بحسب نوع الجهاز ونظام التهوية، قد يقللان من التعرض لبعض ملوثات الهواء الخارجي ومسببات الحساسية.
ولهذا قد يستفيد بعض الأشخاص الذين يعانون الربو أو حساسية حبوب اللقاح من التكييف في ظروف معينة، لكن ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على جودة الجهاز ونظافته وصيانته.
## 27 درجة أفضل من التبريد المفرط
من الأخطاء الشائعة ضبط المكيف على درجات منخفضة جداً بمجرد ارتفاع الحرارة.
وتوصي منظمة الصحة العالمية، خلال الطقس الحار، بضبط المكيف على نحو **27 درجة مئوية مع استخدام مروحة**. ويمكن للجمع بين التكييف والمروحة أن يجعل الغرفة تبدو أبرد بنحو أربع درجات مئوية، مع تقليل استهلاك الكهرباء مقارنة بالتبريد المفرط.
الفكرة هنا ليست تحويل المنزل إلى ثلاجة، بل الوصول إلى درجة حرارة مريحة وآمنة دون استهلاك طاقة أكثر من اللازم.
## لكن ماذا عن البيئة؟
هنا تظهر المفارقة الكبرى.
فكلما ارتفعت درجات الحرارة، زاد الطلب على أجهزة التكييف، وكلما توسع استخدامها ارتفع استهلاك الكهرباء، خصوصاً خلال ساعات الذروة.
وعندما تعتمد شبكات الكهرباء على الوقود الأحفوري، فإن زيادة الطلب على الطاقة تؤدي إلى مزيد من انبعاثات غازات الدفيئة.
كما تستخدم بعض أنظمة التبريد مركبات **الهيدروفلوروكربون (HFCs)**، وهي غازات دفيئة قوية. ويمكن أن تتسرب هذه المواد أثناء تشغيل الأجهزة أو صيانتها أو التخلص منها بصورة غير سليمة، فتزيد من تأثير قطاع التبريد على المناخ.
وهكذا، يصبح التكييف جزءاً من مفارقة عالم ترتفع حرارته: **نحن نحتاج إلى مزيد من التبريد بسبب ارتفاع الحرارة، لكن بعض طرق توفير هذا التبريد قد تسهم في زيادة الاحترار العالمي.**
## هل يجب التوقف عن استخدام المكيف؟
الإجابة ببساطة: **لا.**
في درجات الحرارة الخطيرة، يمكن أن يكون التكييف وسيلة ضرورية لحماية الصحة والحياة، ولا سيما للفئات الأكثر هشاشة.
المطلوب ليس التخلي عنه، وإنما **استخدامه بذكاء وكفاءة**.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال اختيار أجهزة ذات كفاءة عالية في استهلاك الطاقة، وضبط درجة حرارة معتدلة، وإجراء الصيانة الدورية، وتنظيف الفلاتر، إضافة إلى استخدام الستائر وحواجز أشعة الشمس وتحسين عزل المباني.
كما يمكن الاستفادة من التهوية الطبيعية أو الليلية عندما تكون الظروف الخارجية مناسبة، واستخدام المراوح إلى جانب المكيف لتقليل الحاجة إلى خفض درجة الحرارة بشكل كبير.
## كيف نجعل المكيف أكثر أماناً وأقل ضرراً؟
الاستخدام الذكي للتكييف يقوم على مجموعة بسيطة من العادات:
**صحياً:** تجنب التعرض المباشر والمطول لتيار الهواء البارد، وعدم خفض درجة الحرارة بشكل مبالغ فيه، والحفاظ على نظافة الفلاتر والجهاز.
**بيئياً:** اختيار الأجهزة عالية الكفاءة، وتقليل التشغيل غير الضروري، واستخدام المراوح والستائر والعزل لتقليل الحاجة إلى التبريد.
**عند التخلص من الجهاز:** يجب التعامل معه عبر قنوات مناسبة تسمح بإعادة تدويره واستعادة غازات التبريد أو التخلص منها بطريقة آمنة، بدلاً من إطلاقها في الغلاف الجوي.
كما أن إغلاق النوافذ والأبواب أثناء تشغيل المكيف يساعد على الحفاظ على الهواء البارد داخل المكان وتقليل استهلاك الطاقة، مع ضرورة تجنب الهدر خلال فترات ذروة الطلب على الكهرباء.
## الخلاصة: المشكلة ليست في المكيف.. بل في طريقة استخدامه
المكيف ليس عدواً للصحة، كما أنه ليس حلاً بلا ثمن.
**الاستخدام السليم يحول التكييف إلى وسيلة حماية مهمة من موجات الحر، بينما يمكن أن يؤدي سوء الاستخدام والإهمال في الصيانة إلى مشكلات في جودة الهواء وظهور أعراض مزعجة.**
وفي الوقت نفسه، فإن مسؤوليتنا لا تتوقف عند حماية أجسامنا من حرارة الصيف، بل تمتد إلى تقليل الأثر البيئي للطاقة التي نستهلكها.
لذلك، فإن القاعدة الذهبية ليست: **”أوقف المكيف”**، وإنما: **”استخدمه بذكاء، حافظ على صيانته، واضبطه باعتدال.”**
ففي عالم تزداد حرارته، سيصبح التحدي الحقيقي هو أن نحصل على **تبريد أكثر بكفاءة أعلى، واستهلاك أقل، وتأثير بيئي أخف**.










