مقالات
الهند وإسرائيل الكبرى والعرب

بقلم / ناصر السلاموني
يشهد العالم اليوم حالة اصطفاف حاد تكاد تعيد إنتاج منطق القوة المجردة في العلاقات الدولية؛ فبينما تتواصل المأساة في غزة وسط دمار واسع ومعاناة إنسانية قاسية، تبدو كثير من العواصم الكبرى وكأنها اختارت الصمت أو الاكتفاء بعبارات دبلوماسية باهتة. وفي المقابل، تتسابق دول لإظهار اصطفافها الاستراتيجي مع واشنطن وتل أبيب، في مشهد يعكس اختلال ميزان الردع العربي أكثر مما يعكس قوة إسرائيل الذاتية. ومع صعود خطاب «إسرائيل الكبرى» داخل تيارات اليمين المرتبطة بحزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، وصدور تصريحات منسوبة إلى السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي فُهم منها تبرير لفكرة التوسع، يتكرس انطباع بأن ثمة اختبارًا حقيقيًا لقدرة العرب على حماية حدودهم ومكانتهم في نظام دولي لا يعترف إلا بلغة المصالح.
في هذا السياق يبرز موقف الهند بوصفه حالة سياسية تستحق التوقف. فالهند التي يقودها ناريندرا مودي عززت خلال السنوات الأخيرة شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والزراعة والأمن السيبراني، في وقت ترتبط فيه مصالحها الاقتصادية العميقة بالعالم العربي. ملايين الهنود يعملون في دول الخليج والدول العربية، وتحويلاتهم تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للهند، كما أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين يضع الدول العربية ضمن أبرز الشركاء الاقتصاديين لنيودلهي. ومع ذلك، تمضي الهند في توسيع تعاونها مع تل أبيب، مستفيدة من غياب موقف عربي جماعي يربط المصالح الاقتصادية بالمواقف السياسية.
هنا تتضح جوهر المسألة: إذا كانت بعض الدول تعتقد أن بإمكانها الجمع بين الاستفادة القصوى من الأسواق العربية والاصطفاف السياسي الكامل مع إسرائيل دون أي كلفة، فإن الخلل لا يكمن في حسابات تلك الدول وحدها، بل في غياب سياسة عربية واضحة تقوم على مبدأ «المصالح مقابل المواقف». فالضغط في العلاقات الدولية ليس عملاً عدائيًا، بل أداة سيادية مشروعة تمارسها جميع القوى الكبرى حين تشعر بأن أمنها الاستراتيجي أو مصالحها الجوهرية مهددة.
اقتصاديًا، تستطيع الدول العربية – خاصة الخليجية – إعادة تقييم سياسات الاستقدام والتعاقد بصورة تدريجية ومدروسة، وتنويع مصادر العمالة بما يقلل الاعتماد الأحادي، دون الإضرار بالأفراد أو إحداث اضطراب داخلي. كما يمكن مراجعة أولويات الاستيراد والاستثمار، وتوسيع الشراكات البديلة، بحيث تدرك نيودلهي أن عمقها الاقتصادي العربي مرتبط بتوازن مواقفها السياسية. الهدف هنا ليس التصعيد أو القطيعة، بل ترسيخ معادلة واضحة مفادها أن الشراكة الاستراتيجية لا تنفصل عن احترام القضايا المصيرية للطرف الآخر.
دبلوماسيًا، المطلوب حوار مباشر وصريح مع الهند يضع خطوطًا حمراء محددة، ويؤكد أن التحالفات التي تمس الأمن القومي العربي لا يمكن التعامل معها بوصفها شأناً ثنائياً معزولاً عن محيطها الإقليمي. كما أن الهند، بوصفها قوة صاعدة تسعى إلى توسيع حضورها الدولي وتعزيز صورتها العالمية، تدرك أن علاقتها بالعالم العربي والإسلامي تمثل عنصرًا مهمًا في توازناتها الدولية، وهو بعد ينبغي توظيفه بذكاء لا بإثارة انفعالية.
صحيح أن العالم العربي يعاني تشرذمًا سياسيًا وصراعات داخلية وتباينًا في التحالفات، لكن ذلك لا يلغي امتلاكه أوراق قوة حقيقية. التحدي ليس في توفر الأدوات، بل في الجرأة على تحويل الأرقام إلى سياسات، والبيانات إلى إجراءات محسوبة. فالعالم لا يعيد حساباته أمام بيانات الشجب، بل أمام معادلات واضحة تُشعره بأن تجاهل المصالح العربية يحمل كلفة ملموسة.
إن الضغط على الدول المساندة لإسرائيل – وفي مقدمتها الهند – ليس دعوة للفوضى أو استهداف الشعوب، بل دعوة لإعادة ضبط ميزان العلاقة وفق قواعد عادلة. فمن يريد السوق العربي وشراكته الاستراتيجية، عليه أن يحترم أمنه القومي وثوابته السياسية. هكذا تُدار العلاقات الدولية، لا بالعواطف ولا بردود الفعل المؤقتة، بل بمعادلة ثابتة: المصالح الكبرى تقابلها مواقف كبرى.










