الندوة العلمية الثانية لمهرجان سينما الشعوب: مقاربات فكرية جديدة في الذاكرة والمنسي وتمثلات السينما في الدول النامي

صفاء أحمد آغا : إيموزار كندر / المملكة المغربية
في إطار برنامجها الأكاديمي الهادف إلى تعميق النقاش الثقافي والفكري حول السينما وقضاياها الراهنة، احتضنت الدورة الحادية والعشرين لمهرجان سينما الشعوب، الممتدة من 27 إلى 30 نونبر 2025، الندوة العلمية الثانية التي أطرها الدكتور يونس الأحمدي، أستاذ الفلسفة بجامعة مولاي إسماعيل مكناس. وقد شكلت الندوة محطة نوعية داخل البرنامج الفكري للمهرجان، بالنظر إلى غنى محاورها وتنوع المقاربات التي تناولت موضوع السينما في علاقتها بالذاكرة والهوية والمنسي واللامفكر فيه.
العجرودي: التمويل وشروط النسيان في سينما الدول النامية
استُهلّت الجلسة بمداخلة الباحث والمخرج المسرحي التونسي الأستاذ طاهر العجرودي، الذي قدم ورقة بحثية موسومة بعنوان: “التمويل وشروط النسيان: جدلية الاستقلالية والتبعية في سينما الدول النامية”. تطرّق فيها إلى إشكالية التمويل بوصفه آلية ما بعد استعمارية تفرض على السينمات الناشئة، وخاصة في دول المغرب الكبير، خطوطاً إنتاجية تحدّ من حرية الإبداع.
وتوقف العجرودي عند البدايات التاريخية للسينما المغاربية خلال الخمسينات والستينات، موضحاً كيف شكّل التمويل الخارجي أحد أبرز محددات اتجاهاتها الفنية. كما ناقش علاقة السينما بالذاكرة والسوق، قبل أن يصل إلى مفهوم التفاوض الجمالي باعتباره استراتيجية للمقاومة، تتيح بناء سينما مستقلة تمتلك شروطها الخاصة، وتروي قصتها بمنظورها، بعيداً عن التبعية والنماذج المفروضة من الخارج.
برواكي: السينما واللامفكر فيه جسدياً
وفي مداخلة ثانية، قدم الأستاذ عبد الرحيم برواكي، أستاذ الفلسفة وباحث بجامعة مولاي إسماعيل، ورقة بعنوان: “السينما واللامفكر فيه جسدياً: مقاربة تأويلية”. وانطلق برواكي من تحليل العلاقة بين الجسد والشاشة، مبرزاً كيف تُفعّل السينما مناطق صامتة أو مُغيَّبة في التجربة الإنسانية، لتعيد التفكير في الجسد ليس باعتباره موضوعاً مرئياً فحسب، بل باعتباره حاملاً لمعانٍ تتجاوز حدود الصورة نحو أفق وجودي وفلسفي أعمق.
الواي: السينما والمنسي… غوص في الهوامش
كما ساهم الباحث والشاعر الأستاذ عبد العزيز الواي بورقة بحثية حول “السينما والمنسي: غوص في الهوامش المغيّبة”. وتناول فيها حضور المهمّش والمقصي في السينما، وكيف يمكن للفن السابع أن يتحول إلى أداة لاستعادة ما سقط من الذاكرة الجماعية، أو ما تم تجاهله عمداً لأسباب اجتماعية أو سياسية أو ثقافية. وقدّم الواي قراءات نقدية لأمثلة سينمائية تتعامل مع المنسي بوصفه بوصلة جديدة لإعادة بناء السرديات الجماعية.
القصيبي: التوظيف العاطفي للمنسي في السينما
وفي ختام الندوة، قدّم الأستاذ أحمد القصيبي، الباحث وأستاذ الفلسفة بجامعة مولاي إسماعيل، مداخلة بعنوان: “التوظيف العاطفي للمنسي في السينما”. ركّز فيها على كيفية استثمار السينما للبعد العاطفي في معالجة الموضوعات المنسية، مؤكداً أن استعادة المنسي لا تتم عبر السرد فقط، بل عبر بناء شحنات وجدانية تضمن حضور الذاكرة داخل التجربة الجمالية للفيلم.
ندوة تثري النقاش السينمائي وتفتح آفاقاً جديدة
شكلت هذه الندوة الفكرية لحظة تأمل عميقة في علاقة السينما بالواقع والذاكرة والمسكوت عنه، وفتحت نقاشاً علمياً خصباً حول التحديات التي تواجه السينما في البلدان النامية، سواء على مستوى التمويل أو تمثل الجسد أو استعادة المهمش والمنسي. وقد رسخت تدخلات الأساتذة المشاركين مكانة المهرجان كفضاء يجمع بين الفن والفكر، ويحتضن حواراً نقدياً يواكب التحولات الجمالية والثقافية للسينما المعاصرة.
وبذلك، تؤكد الدورة 21 من مهرجان سينما الشعوب حضورها ليس فقط كمحفل لعرض الأفلام، بل كمنصة بحثية تُمكّن المتتبعين من استكشاف العمق الفكري للسينما، وفهم دورها في مساءلة الذاكرة والهوية والواقع الإنساني .










