مقالات

العراق وتحولات الإقليم: السيادة في مواجهة خرائط النفوذ الجديدة

كتب الاعلامي حسين مرتضى

 

في خضم التحولات المتسارعة التي تعيد رسم خرائط النفوذ في المشرق العربي، يجد العراق نفسه أمام مرحلة دقيقة تتشابك فيها التهديدات الأمنية مع الضغوط السياسية الإقليمية والدولية.

 

لم يعد المشهد محصورًا في تطورات عسكرية متفرقة أو أحداث أمنية معزولة، بل بات يعكس إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى، تمتد من الحدود السورية إلى المواقف التركية، ومن إعادة تموضع القوات الأجنبية إلى ملف معتقلي تنظيم داعش.

 

إنها لحظة اختبار حقيقية لصلابة القرار الوطني وقدرته على حماية السيادة وسط صراع إرادات مفتوح تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية.

 

يشكل التطور الميداني في سوريا أحد أبرز المتغيرات المؤثرة في البيئة الاستراتيجية العراقية. فانتشار قوى جديدة على طول الشريط الحدودي الممتد لأكثر من 600 كيلومتر يُقدَّم رسميًا بوصفه خطوة لضبط الأمن، غير أنه يثير في المقابل تساؤلات حول طبيعة هذا الانتشار وأهدافه المستقبلية.

 

فالحدود الغربية لطالما شكّلت معبرًا للجماعات المسلحة ومسرحًا لحراك التنظيمات المتطرفة، وأي فراغ أمني أو إعادة تموضع غير منسقة قد يحول هذه المساحة الحساسة إلى نقطة ضغط على الداخل العراقي، سواء عبر عمليات تسلل، أو من خلال توظيف ملف الأمن الحدودي كورقة سياسية في سياق التنافس الإقليمي.

 

في موازاة ذلك، يبرز ملف إخلاء القوات الأمريكية لقاعدة التنف بوصفه مؤشرًا على تبدل في التكتيك العسكري لا في الاستراتيجية العامة.

 

فالقاعدة الواقعة عند المثلث الحدودي بين العراق وسوريا والأردن شكّلت لسنوات نقطة ارتكاز حيوية في معادلة الانتشار الأمريكي شرق سوريا.

 

قراءة هذا التطور تتراوح بين اعتباره إجراءً وقائيًا لتجنب تداعيات أي تصعيد واسع في المنطقة، وبين اعتباره إعادة تموضع تحفظ النفوذ عبر أدوات محلية أو ترتيبات أمنية غير مباشرة.

 

وفي الحالتين، تبقى انعكاسات هذا التحول وثيقة الصلة بالأمن القومي العراقي، نظرًا لحساسية الجغرافيا المشتركة وترابط مسارات الاستقرار بين البلدين.أما على المستوى السياسي، فقد أضافت التصريحات الصادرة من أنقرة بعدًا ضاغطًا جديدًا إلى المشهد.

 

فالتلميح بضرورة أن “يتعلم العراق من التجربة السورية” لم يُستقبل في بغداد بوصفه نصيحة عابرة، بل فُهم كرسالة تحذير تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي.

 

إدراج قوى عراقية، وعلى رأسها “الحشد الشعبي”، ضمن سياق المقارنة السورية، أعاد طرح سؤال السيادة وحدود التدخل الخارجي، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من التداخل الأمني والسياسي عبر الحدود.

 

وهنا تتجلى حساسية التوازن الداخلي العراقي، الذي يتطلب إدارة دقيقة للعلاقات الإقليمية دون السماح بتحويل الساحة العراقية إلى مجال نفوذ مفتوح.

 

ومن أخطر التحديات المطروحة حاليًا ملف نقل آلاف العناصر المنتمين إلى تنظيم داعش من السجون السورية إلى العراق. فهذا التطور لا يقتصر على كونه إجراءً لوجستيًا أو قانونيًا، بل يحمل أبعادًا أمنية واستخبارية معقدة.

 

إدارة هذا العدد الكبير من المعتقلين تستدعي منظومة احتجاز محكمة، وقدرات تحقيق ورصد متقدمة، وخططًا دقيقة تحول دون إعادة تشكل الشبكات المتطرفة داخل السجون أو خارجها.

 

إن أي خلل في هذا الملف قد يعيد إنتاج التهديد الإرهابي بصيغ جديدة، مستفيدًا من هشاشة بعض البيئات المحلية أو من ثغرات التنسيق الإقليمي.

 

وتتقاطع هذه الملفات مجتمعة مع هواجس متزايدة من سيناريوهات “الحروب بالوكالة”، حيث تُدار المواجهات عبر أدوات محلية بدلًا من الجيوش النظامية، وتُستخدم الجماعات المتطرفة أو بقاياها كورقة ضغط ضمن صراعات أوسع. وفي ظل اشتداد التنافس الإقليمي، يبرز الخوف من أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة استنزاف تُعاد فيها تدوير الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية أو تفاوضية على حساب استقراره الداخلي.

 

إن ما يواجهه العراق اليوم ليس أزمة عابرة، بل محطة مفصلية في سياق إعادة تشكيل الإقليم.

 

حماية الحدود لا تنفصل عن حماية القرار السياسي، وتعزيز الأمن لا يتحقق إلا بإرادة سيادية مستقلة قادرة على إدارة التوازنات دون الانجرار إلى صراعات الآخرين.

 

وسط خرائط النفوذ المتغيرة، يبقى التحدي الأكبر هو تثبيت موقع العراق كفاعل متوازن في معادلة المنطقة، لا كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. ففي لحظات التحول الكبرى، لا تكون الجغرافيا وحدها ساحة الصراع، بل يصبح القرار الوطني نفسه خط الدفاع الأول عن الدولة ومكانتها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى