
في لحظات الغضب، يبدو كل شيء مشوشًا، وتتسارع الأفكار، ويبحث العقل عن ردّ فعل سريع يطفئ الاحتقان. اعتدنا أن نربط القوة بالمواجهة، وبالقدرة على الردّ، أو بالسيطرة على المشاعر عبر قمعها. غير أن التجربة الإنسانية، والوعي النفسي والروحي، يكشفان حقيقة أعمق: الغضب ليس عيبًا، بل إشارة، وليس خطرًا بحد ذاته، بل بابًا للفهم إن أحسنّا الإصغاء.
الغضب غالبًا لا يولد من اللحظة نفسها، بل يستدعي ذاكرة أقدم. جرح لم يُعالج، أو إحساسًا قديمًا بالتجاهل، أو خوفًا تراكم بصمت. لذلك، حين نغضب، فإن ما يطفو على السطح ليس الحدث فقط، بل تاريخ داخلي كامل يطلب الاعتراف به. هنا تحديدًا يصبح الوعي ضرورة، لا ترفًا.
اختيار مغادرة المكان في لحظة الغضب ليس هروبًا، بل فعل نضج. هو قرار واعٍ بحماية النفس والآخرين من أذى قد لا يمكن إصلاحه لاحقًا. المشي، أو أي حركة جسدية بسيطة، يسمح بتفريغ الطاقة الثقيلة التي يحتفظ بها الجسد. فالجسد لا ينسى، وهو أول من يتأثر، وأول من يطلب التحرر.
أما الاستغفار في هذه اللحظات، فهو فعل شفاء داخلي عميق. لا يأتي دائمًا من باب الشعور بالذنب، بل من باب العودة إلى التوازن. هو اعتراف ضمني بأن في داخلنا تعبًا، وأننا بشر نحمل ما يفوق طاقتنا أحيانًا. الاستغفار يلين القسوة الداخلية، ويعيد الاتصال بالرحمة، ويمنح النفس مساحة للتنفس.
والصلاة على النبي ﷺ تتحول من ذكرٍ لفظي إلى طاقة روحية حاضنة. نية صادقة بأن يُخرج الله ما في القلوب من ظلمات غير مرئية، وأن يبدل الثقل طمأنينة. في هذه اللحظات، لا نطلب تغيير الواقع، بل تغيير علاقتنا به، وهذا بحد ذاته بداية الشفاء.
من أهم خطوات التعافي، طلب العفو من النفس. نحن نُحسن معاتبة ذواتنا، ونُفرط في جلدها، وننسى أنها كانت تحاول النجاة بما تملك من أدوات في تلك اللحظة. الاعتذار للنفس، والتعامل معها بلطف، لا يعني تبرير الأخطاء، بل يعني فهمها، والتعلّم منها دون كسر الداخل.
الشفاء الحقيقي لا يكون في المقاومة المستمرة، ولا في التظاهر بالقوة، بل في التقبّل. في أن نسمح للمشاعر أن تُرى، لا أن تُخنق. في أن نُدرك أن السلام الداخلي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالصبر، وبخطوات صغيرة ومتكررة: وعي، حركة، ذكر، ولطف مع الذات.
في النهاية، تقبّل النفس في أوقات الظلام هو فعل شجاعة. هو إعلان صامت بأننا نستحق الحب حتى ونحن متعبون، وأن النور لا يولد إلا بعد أن نعترف بالعتمة. هناك، فقط هناك، يبدأ السلام الحقيقي.










