الحصّة الواحدة في رمضان: دعامة أساسية لتعزيز الترابط الأسري

قريبا تستقبل الامة العربية الإسلامية شهر رمضان المبارك، ويُعدّ شهر رمضان المعظم فترة من الفترات الزمنية ، ذات الدلالات الدينية والاجتماعية المهمة في المجتمع التونسي، حيث تتجاوز رمزيته البعد التعبّدي لتشمل تحوّلات في أنماط العيش اليومي، والعلاقات الأسرية، وإيقاع الحياة بصفة عامة ، وهو شهر البركات شهر التغيير و يمتدّ هذا التغيير ليشمل نسق الحياة الأسرية والاجتماعية برمته. فهو شهر القيم الروحية والعبادة والتقارب الإنساني، وإعادة ترميم العلاقات داخل الأسرة، خاصة في ظل الضغوط اليومية المتزايدة التي فرضها إيقاع الحياة الحديثة.
ويأتي شهر رمضان المبارك محمّلًا بالقيم الانسانية والروحية السامية، في مقدّمتها قيم التراحم، والتكافل والتحابب ولمّ شمل أفراد العائلة.
وفي هذا السياق، يبرز نظام الحصّة الواحدة في الإدارات والمؤسسات كخيارتنظيمي ذي أبعاد اجتماعية عميقة، يتجاوز كونه إجراءً إداريًا ظرفيًا ليصبح رافعة حقيقية لتعزيز الترابط الأسري، بما يراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع التونسي .
إن اعتماد الحصّة الواحدة خلال شهر رمضان يوفّر للموظفين، سواء أكانوا من النساءً أو الرجال على حدّ سواء، وقتًا ثمينًا في الفترة المسائية، وهو وقت تُفتقد فيه العائلة غالبًا خلال بقية أشهر السنة بسبب ضغط العمل وتعدد الالتزامات.
وفي هذا الإطار، يبرز اعتماد نظام الحصّة الواحدة خلال شهر رمضان كخيار إداري ذي أبعاد اجتماعية وتربوية ونفسية ووقائية، ينسجم مع مبادئ الدستور التونسي الذي يؤكد على حماية الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، وضمان حقوق الطفل في الرعاية والحماية والنماء المتوازن، كما ورد في دستور الجمهورية التونسية ومجلة حماية الطفل.
فإعادة تنظيم الزمن المهني اذا يساهم في إعادة بناء جسور التواصل داخل الأسرة، ويمنح الوالدين فرصة أكبر لمرافقة الأبناء، والإصغاء إليهم، ومشاركتهم تفاصيل يومهم، بما ينعكس إيجابًا على التوازن النفسي والسلوكي للأطفال واليافعين بما يسمح بالتواجد المبكّر للوالدين داخل الفضاء الأسري و يساهم في تعزيز الروابط العائلية، وإرساء مناخ من الحوار والمتابعة اليومية للأطفال واليافعين، خاصة في الفترات المسائية التي تُعدّ زمنًا مناسبا للاحتواء الابناء من الناحية التربوية والنفسية.
وتعزز الحصّة الواحدة القيم الرمضانية القائمة على التآزر والانضباط والتواصل، عبر المشاركة المنتظمة في وجبة الإفطار التي تمثّل لحظة جامعة داخل الأسرة، مبنية على الإحساس بالأمان والانتماء.
كما تمكّن الأسرة من الاجتماع حول مائدة الإفطار في أجواء هادئة، بعيدًا عن الإرهاق وضيق الوقت، بما يعزّز الشعور بالانتماء ويقوّي الروابط العاطفية بين أفراد العائلة. ولا يخفى أن هذه اللحظات المشتركة تمثّل ركيزة أساسية في ترسيخ القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يتميّز بها شهر رمضان. ومن زاوية اخرى، يساهم هذا النظام في تحقيق توازن بين الحياة المهنية والحياة الخاصة، خاصة بالنسبة للمرأة العاملة التي تتحمّل في الغالب مسؤوليات مزدوجة داخل البيت وخارجه.
إن اعتماد الحصة الواحدة خلال شهر رمضان لا يمثّل مجرد إجراء إداري ظرفي، بل يمكن أن يكون خيارًا اجتماعيًا واعيًا يساهم في تعزيز الترابط الأسري، ويوفّر مساحة زمنية مشتركة بين الآباء والأبناء، ويحدّ من المخاطر التي تهدّد الأطفال واليافعين في فترات الفراغ الطويلة. ومن هذا المنطلق، يفتح هذا المقال نقاشًا حول أهمية الحصة الواحدة كآلية لحماية الأسرة التونسية ودعم استقرارها، خاصة في شهر تتضاعف فيه الحاجة إلى القرب، والحوار، والرعاية.
ويمثل نظام الحصة الواحدة في شهر رمضان المبارك نظام إداري واجتماعي يتجاوز في جوهره مجرد تقليص ساعات العمل، ليصبح دعامة حقيقية وسياجاً واقياً للأسرة التونسية في مواجهة تشتت الحياة المعاصرة ففي الوقت الذي تفرض فيه فترات العمل الطويلة والمتفاوتة طوال العام نوعاً من الغربة القسرية بين أفراد البيت الواحد، يأتي شهررمضان ليعيد ضبط إيقاع الزمن الاجتماعي وتوحيد افراد العائلة الواحدة. فحين تنتهي الالتزامات المهنية للجميع في توقيت موحد، تنكسر تلك العزلة الوظيفية ويحل محلها الترابط العائلي الايجابي يجمع القلوب قبل الأجساد في فضاء المنزل الرحب. وهذا التناغم الزمني الذي يفرضه نظام الحصة الواحدة يلقي بظلاله مباشرة على مائدة الإفطار، التي تتحول بفضل هذا الوقت المتاح إلى برلمان أسري يومي وموعد ديمقراطي مقدس لا يقبل التأجيل، حيث يجد الآباء والأبناء فرصة نادرة للحواروتبادل المودة بعيداً عن ضجيج المشاغل وضغوط العمل الذي كان يسرقهم في بقية الشهور، وفي هذا المناخ الدافئ تبرز قيمة الرحمة في أبهى صورها من خلال توزيع المهام وتخفيف العبء عن الأم، مما يحول البيت إلى خلية نحل تسودها روح التعاون، ويغرس في نفوس الأطفال قيم المشاركة والانتماء من خلال المساهمة في تقسيم الادوار والتعاون المثمر.
و يتجلى بوضوح الأثر النفسي لهذا النظام في حالة الاستقرار التي يعيشها الصغار وهم يجدون والديهم في المنزل في وقت مبكر وبشكل منتظم، مما يمنحهم شعوراً بالأمان والاحتواء ، يبني لديهم ذاكرة رمضانية مليئة بالحضور والقدوة الحسنة ، وهكذا يثبت نظام الحصة الواحدة أنه ليس مجرد استراحة من عناء المهنة، بقدر ما يمثل استثمارا عميقا في رأس المال البشري .يرمم ما أفسدته فترات العمل المضنية، ويؤكد أن بركة هذا الشهر لا تكتمل إلا بهذا التوازن الذي يعيد للأسرة التونسية كيانها وقوتها وتماسكها تحت سقف الرحمة والمودة.
ومن هذا المنطلق، فإننا نناشد الحكومات وصناع القرار والتي لازلت تعتمد نظام الحصتين بضرورة التمسك بنظام الحصة الواحدة وتفعيله كخيار استراتيجي، ليس فقط تسهيلاً للصائمين، بل حفاظاً على التوازن الأسري المفقود. فتواجد المبكر للوالدين في المنزل يعد بمثابة خط الدفاع الأول لحماية الأطفال واليافعين من تهديدات الشارع ومخاطر الطريق، بل هو صمام الأمان لتحصينهم ضد منزلقات الاستهلاك والادمان على الممنوعات والاستعمال المفرط للتكنولوجيا.
إن استثمار الدولة في “زمن العائلة” خلال هذا الشهر هو استثمار في الأمن القومي، وهو كذلك استثمار في الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع. فكل إجراء إداري يراعي البعد الإنساني والأسري هو خطوة في اتجاه مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا. إذ يرمم نظام الحصة الواحدة ما أفسدته فترات العمل الطويلة و غياب الرقابة الأسرية للأطفال .ويجعلها تضع حدا للآفات التي تترصد بالأطفال والمراهقين في ساعات الغياب .
ونؤكد أن بركة هذا الشهر لا تكتمل إلا بهذا التوازن الذي يعيد للأسرة التونسية كيانها وقوتها وتماسكها تحت سقف الرحمة والمودة .
وفي الختام، يمكن القول إن الحصّة الواحدة في رمضان تمثّل نموذجًا لسياسات زمنية ذكية ويقظة، تضع الأسرة في قلب الاهتمام، وتؤكد أن الإدارة الناجعة هي تلك التي تخدم العمل دون أن تغفل عن القيم الاجتماعية والإنسانية. وان اعتماد الحصّة الواحدة خلال شهر رمضان لا يجب أن يُنظر إليه كإجراء ظرفي أو مجرّد تسهيل إداري، بل هو خيار اجتماعي وأخلاقي يستوجب الاستمرارية والتطوير. فحضور الأولياء في بيوتهم، ومرافقتهم لأطفالهم ويافعيهم، يشكّل خطّ الدفاع الأوّل ضدّ عديد المخاطر والتهديدات و تبقى الحكومات العربية مدعوّة إلى استيعاب البعد الوقائي للحصّة الواحدة، واعتماد سياسات زمنية أكثر وعيًا تُقدّم مصلحة الطفل والمراهق والأسرة على حساب منطق الإنتاج ، لأنّ حماية الأجيال ليست مسؤولية فردية، بل هو خيار الدولة المسؤولة ورهان المجتمع المتماسك الذي يراعي إنسانية الانسان .
د.عقيلة بالطيب










