الأخبار

الحرب على إيران… هل هي معركة نفوذ أم مشروع لإعادة رسم الشرق الأوسط؟

بقلم/ ناصر السلاموني
يشهد الشرق الأوسط في هذه المرحلة واحدة من أخطر لحظات التوتر في تاريخه الحديث، حيث تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولم يعد الحديث يدور فقط حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي، بل باتت تتكشف ملامح صراع أوسع قد يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة بأكملها.
لقد بدأت مؤشرات هذا التصعيد تظهر مع الحديث عن تحركات عسكرية غير تقليدية، ومحاولات لاستخدام أوراق داخلية في مواجهة إيران، وعلى رأسها ورقة الأقليات القومية. فالتقارير المتداولة تحدثت عن نشاط لبعض الجماعات الكردية على الحدود الإيرانية العراقية، وهو ما دفع طهران إلى التحرك سريعًا لضرب قواعد تلك الجماعات في شمال العراق، في رسالة واضحة بأنها لن تسمح بتحول حدودها الغربية إلى منصة لتهديد أمنها القومي.
غير أن المسألة لا تتوقف عند الأكراد وحدهم، فإيران دولة متعددة القوميات والأعراق، تضم إلى جانب الفرس أقليات أخرى مثل الأذريين والعرب والبلوش والتركمان. وقد ظهرت بين بعض هذه المجموعات مطالب سياسية أو ثقافية متفاوتة، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى حركة انفصالية واسعة قادرة على تهديد وحدة الدولة. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن إثارة هذه الملفات قد تتحول إلى إحدى أدوات الضغط الجيوسياسي في أي صراع طويل الأمد مع طهران.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات عديدة حول طبيعة الأهداف الحقيقية من التصعيد الحالي. فهل تسعى الولايات المتحدة بالفعل إلى إسقاط النظام الإيراني أو تحجيم قدراته العسكرية فقط، أم أن هناك مشروعًا أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة؟
لقد طرحت بعض مراكز الفكر الغربية منذ سنوات تصورات تقوم على فكرة أن استقرار المنطقة لن يتحقق في ظل الدول الكبيرة متعددة الأعراق والطوائف، وأن إعادة رسم الحدود إلى كيانات أصغر قد يجعلها أقل قدرة على تهديد المصالح الغربية وأكثر قابلية للسيطرة السياسية والاقتصادية. وإذا ما تحقق مثل هذا السيناريو، فإن ميزان القوى في المنطقة سيتغير جذريًا، بحيث تصبح إسرائيل الدولة الأكثر تفوقًا عسكريًا واستراتيجيًا.
ومن هنا يرى بعض الباحثين أن إضعاف إيران – سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية أو الضغط الداخلي – قد يكون خطوة في إطار مشروع أوسع لإعادة ترتيب المنطقة، خاصة أن إيران تمثل اليوم واحدة من أكبر القوى الإقليمية من حيث المساحة والسكان والموارد الطبيعية.
لكن اللافت في هذا الصراع هو اللغة التي بدأ بعض المسؤولين الغربيين يستخدمونها عند الحديث عن إيران. فقد صدرت تصريحات تفيد بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح لدولة “تحكمها عقائد دينية أو نبوية” بامتلاك سلاح نووي. ورغم أن هذا الطرح يُقدَّم باعتباره تحذيرًا من مخاطر امتلاك السلاح النووي في إطار أيديولوجي، فإنه يفتح الباب أيضًا أمام قراءة الصراع في إطار أوسع يتداخل فيه السياسي مع العقائدي.
ففي الوقت الذي يُثار فيه هذا الجدل، تظل إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك قدرات نووية خارج منظومة الرقابة الدولية، كما أن مشروعها السياسي يرتبط في جزء منه بروايات دينية وتوراتية حول الأرض والهوية والتاريخ. وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى القول إن الصراع في المنطقة لم يعد مجرد صراع مصالح، بل أصبح مزيجًا معقدًا من السياسة والتاريخ والعقيدة.
أما أوروبا، فتبدو أكثر حذرًا في التعامل مع سيناريوهات التصعيد الشامل. فالدول الأوروبية تدرك أن تفكك دولة كبيرة مثل إيران قد يفتح أبواب فوضى إقليمية واسعة، قد تؤدي إلى موجات هجرة ضخمة واضطرابات أمنية تهدد القارة نفسها، فضلًا عن التأثير المباشر على إمدادات الطاقة العالمية.
كما أن أي تفكك محتمل لإيران لن يتوقف تأثيره داخل حدودها، بل قد يمتد إلى دول الجوار. فالقضية الكردية مثلًا مرتبطة بتركيا والعراق وسوريا، وأي اضطراب في مناطق البلوش قد يمتد إلى باكستان وأفغانستان، بينما قد تؤثر أي تطورات في إقليم خوزستان على منطقة الخليج بأكملها. وهو ما يجعل تفكيك إيران – إن حدث – شرارة قد تشعل سلسلة من الأزمات الإقليمية المتشابكة.
ومن ناحية أخرى، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات التي تراهن بالكامل على الدعم الخارجي لتحقيق مشاريع انفصالية غالبًا ما تجد نفسها في النهاية رهينة لتقلبات السياسة الدولية. فالدول الكبرى تتعامل مع هذه الملفات وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، لا وفقًا لطموحات تلك الحركات أو تطلعاتها القومية.
ولهذا يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مواجهة محدودة الهدف تسعى إلى تحجيم نفوذ إيران، أم أننا أمام مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة يجري فيها إعادة رسم موازين القوى وربما الحدود نفسها؟
ما هو مؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق خطير، وأن أي انفجار كبير في هذه المنطقة لن تكون آثاره محصورة في دولة بعينها، بل قد تمتد إلى النظام الدولي بأسره. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن الحكمة السياسية والتوازن الإقليمي سيظلان العاملين الحاسمين في تجنب تحول الصراع إلى حريق شامل يلتهم المنطقة كلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى