مقالات
التاريخ الأسود لأمريكا وحلفائها

بقلم: ناصر السلاموني
في سلسلة من المقالات، نفتح واحدًا من أكثر الملفات قتامة في التاريخ الحديث، ملف القوى التي رفعت شعارات الحرية وحقوق الإنسان، بينما مارست في الواقع أبشع صور القتل والاحتلال والنهب. نبدأ ب «الشيطان الأكبر»؛ الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تنشأ كدولة قامت على التراكم الحضاري أو التفاعل الإنساني السلمي، كما هو حال حضاراتنا العربية والإفريقية، بل وُلدت منذ لحظتها الأولى من رحم العنف المنظم، والإقصاء، والإبادة.
قامت الولايات المتحدة على جماجم الملايين من السكان الأصليين، الذين أُطلق عليهم ظلمًا «الهنود الحمر»، فتعرضوا لواحدة من أبشع عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ: قتلٌ ممنهج، وتهجير قسري، وسلبٌ للأراضي، ومحوٌ للهوية والثقافة، وكل ذلك جرى تحت شعارات زائفة عن التمدن ونشر الحضارة. وبالتوازي، تأسست أمريكيا على نظام عبودي عنصري، خُطف خلاله ملايين الأفارقة من أوطانهم، ونُقلوا في ظروف لا إنسانية ليُستعبدوا في المزارع والمناجم، ويُعاملوا كسلع بلا حقوق ولا كرامة. ولم تكن العبودية مرحلة عابرة، بل شكّلت الركيزة الأساسية للاقتصاد الأمريكي، ورسّخت فلسفة التفوق العرقي الأبيض التي ما زالت آثارها الاجتماعية والسياسية ممتدة حتى اليوم.
هذا التاريخ الدموي لم يبقَ حبيس الداخل، بل تحوّل إلى عقيدة سياسية وسلوك دولي، يرى في القوة حقًا مكتسبًا، وفي الهيمنة قدرًا، وفي القانون الدولي أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء فقط. ومن هذا المنطلق، تعاملت الولايات المتحدة مع العالم، فاحتلت دولًا، وأسقطت أنظمة، واقتحمت قصور حكم، واختطفت رؤساء، وفرضت الوصاية السياسية والاقتصادية، دون أن يجرؤ أحد على محاسبتها.
احتلت الولايات المتحدة الفلبين وارتكبت مجازر راح ضحيتها مئات الآلاف، وفرضت هيمنتها على كوبا وبورتوريكو، ولا تزال بورتوريكو حتى اليوم مستعمرة مقنّعة. وضمّت جزر هاواي بالقوة رغم كونها دولة مستقلة. وفي أمريكا اللاتينية، احتلت نيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان، ودعمت انقلابات دموية لخدمة شركاتها العملاقة. وفي فيتنام، شنت حربًا وحشية استخدمت فيها الأسلحة الكيماوية، وخلّفت ملايين القتلى والمشوّهين، ودمارًا بيئيًا ما زالت آثاره قائمة. وفي كوريا، قسمت بلدًا واحدًا بعد حرب مدمرة، ولا يزال شبحها قائمًا حتى اليوم.
وفي العصر الحديث، غزت أفغانستان تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، فدمّرت الدولة وأغرقت المجتمع في الفوضى، ثم انسحبت تاركة شعبًا منهكًا. وغزت العراق عام 2003 بذريعة أسلحة الدمار الشامل، التي ثبت كذبها، فدمّرت دولة، وحلّت جيشًا، وأطلقت العنان للطائفية والإرهاب. وتدخلت عسكريًا في الصومال، واجتاحت بنما عام 1989، واعتقلت رئيسها مانويل نورييغا ونقلته مكبلًا إلى واشنطن في مشهد مهين للسيادة الوطنية. كما غزت جزيرة غرينادا الصغيرة فقط لإرسال رسالة قوة إلى العالم.
وفي تشيلي عام 1973، دعمت انقلابًا عسكريًا دمويًا أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، وفتح البلاد لحكم قمعي خدم المصالح الأمريكية. وفي هايتي، أُجبر الرئيس جان برتران أريستيد عام 2004 على مغادرة بلاده قسرًا. وفي هندوراس، أُطيح بالرئيس مانويل زيلايا عام 2009 في انقلاب حظي بدعم أمريكي غير مباشر. كما تعرض الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوشيفيتش لضغوط سياسية واقتصادية انتهت بتسليمه إلى محكمة لاهاي في ظروف شابها كثير من الجدل.
وفي العالم العربي، شاركت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تدمير ليبيا تحت غطاء «حماية المدنيين»، فتحولت الدولة إلى ساحة فوضى وميليشيات. وتواصل تدخلها العسكري والسياسي في سوريا، وتفرض العقوبات والحصار على شعوب بأكملها، مستخدمة التجويع كسلاح.
وليس ازدراء الولايات المتحدة للقانون الدولي سلوكًا عابرًا، بل يظهر بأوضح صوره في علاقتها العضوية بالكيان الصهيوني منذ نشأته غير الشرعية عام 1948. فمنذ ذلك التاريخ، قدّمت واشنطن لإسرائيل دعمًا مطلقًا وشاملًا: تسليحًا متطورًا، وتمويلًا مفتوحًا، ودعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا كاملًا، حتى أصبحت إسرائيل أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية في العالم، حيث تجاوز إجمالي ما قدمته الولايات المتحدة لها أكثر من 300 مليار دولار، إضافة إلى مساعدات سنوية ثابتة لا تقل عن 3.8 مليار دولار وفق اتفاقيات طويلة الأمد، مع ضمان التفوق العسكري النوعي على جميع دول المنطقة.
ولم يقتصر هذا الدعم على السلاح والمال، بل شمل الغطاء السياسي والدبلوماسي الكامل، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» داخل مجلس الأمن أكثر من خمسين مرة لإسقاط أي قرار يُدين الاحتلال، أو يطالب بوقف الاستيطان، أو يسعى لحماية المدنيين الفلسطينيين، أو لمحاسبة قادة إسرائيل على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وهكذا تحوّل الفيتو الأمريكي إلى شريك مباشر في تعطيل العدالة الدولية، وضمان الإفلات الدائم من العقاب.
وفي السياق ذاته، لم تكن فنزويلا استثناءً، إذ تعرّضت لمحاولات متكررة لإسقاط قيادتها المنتخبة، ومحاولات عزل وضغوط سياسية واقتصادية خانقة، في إطار سعي أمريكي محموم للسيطرة على ثرواتها النفطية، ومعاقبة أي قيادة ترفض الخضوع للإملاءات الخارجية أو تتخذ موقفًا مستقلًا أو متعاطفًا مع قضايا الشعوب المقهورة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
والمفارقة الصارخة أنه في الوقت الذي صدرت فيه أحكام وقرارات دولية تتحدث عن جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، كان الأولى بالمجتمع الدولي التحرك لمحاسبة قادة الاحتلال، نجد الولايات المتحدة لا تكتفي بحمايتهم سياسيًا وقانونيًا، بل تقف معهم ضد العالم أجمع، وتواصل سياسة إسقاط القادة واختطاف الرؤساء الذين يرفضون الانخراط في مشروع الهيمنة الأمريكية، طمعًا في ثروات بلدانهم، وتكريسًا لمنطق القوة على حساب العدالة.
إن هذه الوقائع، مجتمعة، تكشف نمطًا ثابتًا لا يمكن إنكاره: قوة عظمى تحاكم الآخرين ولا تُحاكم، تُدين الجرائم حين تُرتكب ضد مصالحها، وتبرر الإبادة حين يكون مرتكبوها في صفّها، وتستخدم القانون الدولي سلاحًا انتقائيًا، لا ميزانًا للعدالة. وهكذا يستمر العالم في مشاهدة المشهد ذاته يتكرر بأسماء مختلفة، بينما يبقى الضحايا هم الشعوب، ويبقى التاريخ شاهدًا لا ينسى.










