مقالات

إيران وسلاح هرمز .. عندما تتحول الممرات البحرية إلى ساحة حرب دولية

بقلم / ناصر السلاموني
تصعيد عسكري غير مسبوق
لم يعد الصراع في الخليج مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح معركة مفتوحة حول الطاقة والتجارة العالمية وممرات الملاحة الدولية. تبدو المنطقة على أعتاب تحولات استراتيجية كبرى قد تعيد تشكيل موازين القوى في العالم.
يشهد العالم واحدة من أخطر لحظاته في العقود الأخيرة، بعد أن تحولت المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى صراع مفتوح لا تقتصر تداعياته على العمليات العسكرية فقط، بل تمتد أيضًا إلى الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة الدولية، لتصبح المنطقة بأكملها أمام أزمة غير مسبوقة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في النظام الدولي.
بدأ التصعيد مع سلسلة من الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع عسكرية ونووية داخل إيران، وفق ما أفادت به تقارير رويترز ووكالة أسوشيتد برس. وقد ردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على أهداف إسرائيلية وقواعد أمريكية في المنطقة. ومع اتساع العمليات، أخذ الصراع يتجاوز طابعه العسكري المباشر ليشمل مواجهة استراتيجية حول مراكز الطاقة والتجارة والممرات البحرية الحيوية.
مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية
في قلب هذه الأزمة يقف مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. يمر عبره ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي نحو خمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج. أي اضطراب في المضيق ينعكس فورًا على الاقتصاد وأسواق الطاقة.
مع تصاعد الحرب، أعلنت إيران فرض قيود صارمة على الملاحة بعد استهداف عدد من السفن التجارية وناقلات النفط. وقد أظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة للملاحة البحرية أن عشرات السفن توقفت في المياه الدولية انتظارًا لتطورات الوضع الأمني، في حين ارتفعت تكاليف التأمين البحري بنسبة تجاوزت 30% خلال أيام قليلة.
أعلنت طهران مجموعة شروط لعبور السفن، منها:
التنسيق المسبق مع البحرية الإيرانية لضمان سلامة الملاحة.
منع مرور السفن التابعة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران.
السماح لسفن الدول الأخرى بالعبور بعد إخطار السلطات الإيرانية مسبقًا.
كما تدرس إيران تمرير ناقلات نفط محدودة بشرط إجراء بعض عمليات البيع والتسوية المالية بعملات غير الدولار، وعلى رأسها اليوان الصيني، في خطوة لتعزيز تحالفاتها الاقتصادية مع القوى الآسيوية وتقليل هيمنة الدولار.
الرد الأمريكي والتحالفات البحرية
في المقابل، ردت الولايات المتحدة بسلسلة ضربات عسكرية استهدفت مواقع بحرية وصاروخية إيرانية، ضمن عملية “Epic Fury”، وفق بيان صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). شملت العملية تدمير سفن متخصصة في زرع الألغام البحرية، وضرب مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وكذلك منشآت نفطية مهمة في جزيرة خرج.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، شهدت المنطقة انسحاب عدد من حاملات الطائرات الأمريكية من المياه القريبة من مضيق هرمز إلى مواقع أبعد في بحر العرب والمحيط الهندي، في محاولة لتقليل المخاطر على القطع البحرية الكبيرة، حسب خبراء عسكريون.
على الصعيد السياسي، أعلنت القيادة الإيرانية أن وقف الحرب مرتبط بعدة شروط:
وقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية.
رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
تقديم ضمانات دولية بعدم استهداف المنشآت النووية والنفطية مستقبلاً.
وقف استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة لشن عمليات ضد إيران.
وفي واشنطن، صرح مسؤول كبير في البيت الأبيض بأن الوقت قد يكون مناسبًا لإعلان الانتصار وإنهاء العمليات العسكرية، بعد تحقيق أهداف الولايات المتحدة، وذلك لتجنب توسع الصراع إلى حرب إقليمية واسعة.
كما تعمل الولايات المتحدة مع عدد من الدول لتشكيل تحالف بحري دولي لإعادة تأمين الملاحة في الخليج وفتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة، عبر إرسال سفن حربية لمرافقة الناقلات وحمايتها من أي تهديدات.
تأثير الأزمة على الاقتصاد العالمي
شهدت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات كبيرة، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من الخليج، كما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة، الأمر الذي انعكس على أسعار السلع في العديد من دول العالم.
ويرى خبراء الجغرافيا السياسية أن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الحرب التقليدية بين دول، ليصبح صراعًا استراتيجيًا حول الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الاقتصادية. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لنقل النفط، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية في صراع القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي والسياسي.
قناة السويس وجبهة باب المندب
من زاوية أخرى، فإن استمرار التوتر في مضيق هرمز ينعكس على طرق التجارة العالمية الأخرى، وفي مقدمتها قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة الدولية. فاضطراب حركة الطاقة في الخليج قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن مسارات بديلة لنقل النفط والغاز، وهو ما قد يعيد رسم خريطة النقل البحري والتجارة العالمية.
كما أن اتساع نطاق الصراع قد يفتح جبهة بحرية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في مضيق باب المندب، الذي يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس. فإذا قررت جماعة الحوثيون الدخول المباشر في المعركة عبر استهداف السفن أو تعطيل الملاحة في هذا المضيق، فإن العالم قد يجد نفسه أمام ما يمكن تسميته بـ”حرب المضائق”، حيث تتعرض أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم للضغط في وقت واحد.
ويكتسب هذا الاحتمال خطورته من أن تعطيل الملاحة في باب المندب قد يدفع السفن القادمة من آسيا إلى أوروبا إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدل المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مما يزيد زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل والشحن، ويؤدي إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
الخاتمة
إن ما يحدث اليوم في الخليج قد يكون مقدمة لتحولات استراتيجية عميقة في النظام الدولي، حيث تتداخل الحرب العسكرية مع الحرب الاقتصادية، وتصبح الممرات البحرية ساحة صراع بين القوى الكبرى.
وفي ضوء هذه المعطيات، يقف العالم أمام لحظة فارقة؛ فإما أن تنجح الجهود الدولية في احتواء الأزمة والتوصل إلى تسوية توقف الحرب وتعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة، أو أن يستمر التصعيد ليقود المنطقة والعالم إلى مرحلة أكثر اضطرابًا، قد تعيد تشكيل موازين القوى لعقود قادمة. وربما يكشف هذا الصراع أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة، لم تعد الحروب تُخاض فقط بالجيوش والأسلحة، بل بالمضائق البحرية وخطوط الطاقة والتحالفات الاقتصادية التي تعيد رسم خريطة النفوذ في العالم .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى