مقالات

أبناؤنا في مهب “الخوارزميات”: خارطة طريق لاستعادة السيطرة

بقلم: الكاتب والاعلامي
د. طراد علي بن سرحان اللرويس
حرر بتاريخ: ٢٢ / ٠٢ / ٢٠٢٦م
لم يعد الحديث عن “الإعلام الرقمي” ترفا فكريا أو مجرد ظاهرة تقنية عابرة؛ نحن أمام “تسونامي” معلوماتي أعاد تشكيل البنية النفسية والسلوكية لأبنائنا، ففي السابق، كانت الأسرة والمدرسة هما “المصفاة” الأولى للقيم والأفكار، أما اليوم، فقد أصبح الهاتف الذكي هو المربي الثالث، والأكثر تأثيراً، حيث تتسرب القيم وتتشكل الهويات عبر خوارزميات صممت لتبقيهم ملتصقين بالشاشات لأطول فترة ممكنة.
حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أننا لا نربي أطفالاً فحسب، بل نربي “اطفالا رقميين” يواجهون ضغوطاً هائلة: من معايير الجمال المستحيلة على إنستغرام، إلى قلق “فوات الشيء”، وصولاً إلى التنمر الإلكتروني.
هذا الواقع يفرض علينا الانتقال من خانة “القلق السلبي” إلى خانة “الفعل الاستراتيجي”.
من “المنع” إلى “المناعة”: استراتيجيات المواجهة:
إن الحل لم يعد يكمن في سحب الأجهزة أو قطع الإنترنت، فهذا انفصال عن الواقع. الحل يكمن في بناء “المناعة الرقمية”، ولمعالجة هذه الظاهرة المعلوماتية المضللة، يجب تبني استراتيجيات وطنية ومجتمعية شاملة تتجاوز الحلول التقليدية، ومن تلك الاستراتيجيات التي تتمثل فيما يلي:
1. التثقيف الإعلامي كمهارة بقاء:
يجب دمج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية ليس كمادة نظرية، بل كمهارة نقدية، علينا تعليم الأبناء كيف يسألون: “من صنع هذا المحتوى؟ ولماذا؟ وما هي الرسالة الخفية؟”.
فعندما يمتلك الطفل أدوات التفكيك والتحليل، يتحول من “مستهلك ساذج” إلى “ناقد ذكي”، مما يقلل تلقائياً من تأثير المعلومات المضللة.
2. استراتيجية “الحوار قبل الحظر”:
على الأسر مغادرة برج المراقبة والنزول إلى ساحة النقاش، بدلاً من مجرد تقييد الوقت، يجب مشاركة الأبناء فيما يشاهدونه.
فالنقاش حول محتوى “ترند” معين وتفنيده مع الابن يبني جسور ثقة تجعله يلجأ لأهله عند تعرضه لمحتوى مسيء، بدلاً من إخفائه خوفاً من العقاب.
3. تحويل الأبناء من مستهلكين إلى صانعي محتوى قيمي:
أفضل طريقة لفهم اللعبة هي أن تكون جزءاً منها، فتشجيع الشباب على صناعة محتوى إيجابي (مدونات، فيديوهات تعليمية، فن رقمي) يجعلهم يدركون آليات عمل المنصات، وكيف يمكن التلاعب بالحقائق، مما يزيد من حصانتهم ضد التضليل.
4. التحالف بين الإعلام والمؤسسات التربوية:
يجب ألا تكتفي المؤسسات الإعلامية بدور الناقل، بل يجب أن تتبنى مبادرات “التحقق من الأخبار” (Fact-Checking) الموجهة للشباب.
حيث اننا نحتاج إلى منصات تخاطب المراهقين بلغتهم وتكشف لهم زيف الصور المعدلة والأخبار المفبركة بطريقة جذابة وليست وعظية.
5. “المواطنة الرقمية” كعقد اجتماعي جديد:
إطلاق حملات توعوية تروج لمفهوم المواطنة الرقمية؛ أي أن ما تفعله وتكتبه وتنشره في العالم الافتراضي هو جزء من بصمتك وشخصيتك الحقيقية.
إن تعزيز الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه ما يشاركه الشباب يقلل من انتشار الشائعات والمحتوى الضار.
والكلمة الأخيرة: مسؤولية مشتركة
إن المعركة اليوم ليست ضد التكنولوجيا، بل هي معركة من أجل “الوعي”، الإعلام الرقمي أداة جبارة، يمكن أن تكون معول هدم للقيم أو رافعة للنهضة والتعليم.
فالخيار بأيدينا: إما أن نترك أبناءنا فريسة لخوارزميات لا ترحم، أو أن نتكاتف – أسرًا، مدارس، وإعلاميين – لبناء جدار حماية من الوعي والتفكير النقدي.
فقد آن الأوان لنتوقف عن لوم “الشاشات”، ونبدأ في تحصين “العقول”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى